العراق
سياسة

رئيس الوزراء الزيدي: ستة أشهر من الوعود والواقع الاقتصادي يفرض نفسه

المدى٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:١٢ م0 مشاهدة
رئيس الوزراء الزيدي: ستة أشهر من الوعود والواقع الاقتصادي يفرض نفسه

تنويه

هذا الخبر بعنوان "فارزة: عن صورة الزيدي الأكبر من الصمونة!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد أيام قليلة، ستكمل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ستة أشهر على نيلها ثقة البرلمان، وهي مدة كافية لاختبار الوعود. لكن الرجل لم يقدم ما يكفي لإقناع العراقيين بتجربة سياسية مختلفة، رغم إغراقه لهم بالوعود ذاتها التي اعتادوا سماعها مع كل رئيس وزراء جديد. وصل الزيدي إلى السلطة محاطاً بهالة من الاختلاف صنعها أنصاره، وبسيرة رجل أعمال ذي خلفية اقتصادية، لم يتدرج في المناصب الحكومية ولم تستهلك صورته صراعات الأحزاب. إلا أن بعض فصول هذه السيرة ما زالت مفتوحة على أسئلة مشروعة، أبرزها مصادر ثروته وحجم مصالحه التجارية. فالرجل، المولود عام 1986، يملك، بحسب ما نشرته «نيويورك تايمز» ووسائل إعلام عراقية، مصرف الجنوب الإسلامي، أحد أكبر المصارف الأهلية في البلاد والممنوع من التعامل بالدولار منذ 2024، ومتاجر «التعاون هايبر ماركت» في بغداد، وشركة «العويس» القابضة. في الحادي والعشرين من تشرين الأول، أثار السياسي مشعان الجبوري أرقاماً ضخمة منسوبة إلى كشف ذمته المالية، تقدر ثروته بنحو عشرة مليارات دولار بسعر الصرف يوم تولى المنصب، وطالبه بكشف مصادرها للرأي العام. ورغم أن الزيدي قدم كشف ذمته عند توليه المنصب، كما يقول الجبوري نفسه، فإن الشفافية التي بشر بها تستحق توضيحاً علنياً يسمح بمناقشة هذه الأسئلة على أساس الوقائع. والرجل الذي ألزم وزراءه في أيامه الأولى بالكشف عن ذممهم المالية خلال أسبوع، أولى الناس بأن ينشر كشف ذمته على الملأ. كانت السمات التي قدم بها الرجل كافية لصناعة توقعات كبيرة، عن رئيس وزراء يعرف الاقتصاد، ويأتي من خارج المسار التقليدي، وقد يفعل ما عجز عنه أسلافه. بيد أن الصورة الجديدة لا تصنع، وحدها، سياسة جديدة! وعد الزيدي بمكافحة الفساد، وتنويع مصادر الدخل، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير الخدمات، وحصر السلاح بيد الدولة، والكثير من الوعود التي يراها العراقيون عملية «قص ولصق» من دفاتر الحكومات السابقة، سمعناها من نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، ثم من محمد شياع السوداني. وفي كل مرة كان العهد الجديد يعلن عن نفسه بعبارات مستعارة من العهد القديم! ولم يكن هذا التكرار خافياً حتى على الصحافة. فقد وصفت وكالة محلية المنهاج الوزاري، يوم عرضه، بأنه «المنهاج الذي لا يشيخ»، بعد مقارنة محاوره الأربعة عشر ببرنامجي الكاظمي والسوداني، فتبين أن كثيراً من عناوينه مكرر، وأن بنوداً اقتصادية بعينها منقولة حرفياً من منهاج السوداني الذي لم ينفذها! لكن التشابه الأكثر إثارة للقلق يبدأ حيث تنتهي الخطب وتبدأ القرارات. فحين حان وقت الجد، عاد الزيدي إلى الأدوات التي جربها أسلافه، تاركاً للناس أن يدفعوا ثمن الأزمة! فقد أخرجت حكومته من أدراج أسلافها إحدى أكثر الوصفات الاقتصادية إجحافاً بأصحاب الدخل الثابت في تاريخ الحكومات العراقية لتجاوز عجز الموازنة، عبر خفض قيمة الدينار العراقي وما رافقه من تداعيات ارتفاع الأسعار في الأسواق. ففي السادس من تشرين الأول، رفعت سعر الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520 دينار، بعد أقل من أربعة أشهر على تطمين المتحدث باسمها بأن الحكومة لا تفكر في خطوة كهذه لأنها تضغط على المواطنين. وهكذا، كلما اشتدت أزمة المالية العامة، استدعى الخطاب الحكومي كليشة «الضرورات الاقتصادية»، لتبرير القرارات المؤلمة، وتأجلت الأسئلة الأصعب عن الإنفاق والهدر والامتيازات التي تتمتع بها الطبقة الحاكمة! صحيح أن البلد يواجه ظروفاً استثنائية، وأن الحرب الإقليمية وتعطل صادرات النفط فرضا أزمة حقيقية على مالية الدولة. فلماذا يبقى جيب المواطن الحائط المائل الذي تستند إليه كل حكومة حين يتسع العجز؟ ولماذا تكون القرارات التي يدفع ثمنها الناس أسرع من القرارات التي تمس شبكات الهدر والنفوذ؟ من جانب آخر، يبدو التناقض أوضح. حيث أنهى الزيدي عقود 69 مستشاراً في مكتبه. لكنه مضى، في المقابل، إلى استحداث وزارتين جديدتين ومنصب وزير دولة، وأربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء، وهي المناصب التي ألغاها حيدر العبادي في آب 2015 تحت ضغط الشارع. أما حملة «صولة الفجر» ضد الفساد، فقد بدأت باعتقالات لاقت اهتماماً وتأييداً، ثم أحاطت بها انتقادات وتساؤلات عن الانتقائية وحدود الاقتراب من مراكز النفوذ. فقد لاحظت باحثة في مجموعة الأزمات الدولية أن الضربات تركزت على سياسيين من الصف الثاني، ونقلت صحيفة «ذا ناشيونال» عن منتقدين أنها أصابت سياسيين سنة وخصوماً شيعة أكثر من سواهم. ويبدو أن الحملة توقفت عند تلك الحدود ولن تتجاوزها! يروي العراقيون أن عبد الكريم قاسم أوقف سيارته ذات يوم عند مخبز، فرأى صورته معلقة على الجدار بحجم كبير، والصمونة التي يبيعها الخباز صغيرة، فقال له: «زغر الصورة وكبر الصمونة». صارت الجملة مثلاً يقال في كل حاكم تكبر صورته وتصغر لقمة الناس، ولا يبدو أن علي الزيدي سمع به!

شارك الخبر: