العراق
سياسة

بغداد على حافة الحرب: غياب خطط الطوارئ ومخاوف من انخراط الفصائل المسلحة

المدى٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٢ م0 مشاهدة
بغداد على حافة الحرب: غياب خطط الطوارئ ومخاوف من انخراط الفصائل المسلحة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بغداد أمام الحرب.. بلا خطط طوارئ معلنة ومخاوف من انخراط الفصائل" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في بغداد، لا تبدو الحرب المحتملة مع إيران جزءاً من الحسابات اليومية للحكومة. لا خلايا أزمة للوقود، ولا خطط معلنة لتأمين الغذاء والدواء، ولا استعدادات صحية طارئة. فيما تتجه المنطقة إلى واحدة من أكثر لحظاتها توتراً، تبدو السلطات بالعراق، بحسب نائب في البرلمان، كأنها تعيش في عالم موازٍ، بعيداً عن احتمالات مواجهة قد تتسع إلى حرب إقليمية، وربما تتجاوزها.

يقول النائب، وهو عضو في حزب شيعي طلب عدم نشر اسمه، إن الحكومة والقوى السياسية لم تتخذ حتى الآن إجراءات احترازية تتناسب مع حجم المخاطر. ويضيف لـ(المدى): "الحكومة والقوى السياسية تبدو وكأنها تعيش في عالم موازٍ ولا تهتم بما يجري". هذا الغياب لا يتعلق، وفق النائب، بتقدير احتمالات الحرب وحدها، بل بعدم وجود استعدادات عملية حتى لسيناريوهات أقل اتساعاً، مثل اضطراب إمدادات الوقود أو تعطل التجارة أو الضغط المفاجئ على المؤسسات الصحية.

في المقابل، تنشغل الحكومة والقوى المنضوية في الإطار التنسيقي بتوسيع المناصب الحكومية والبحث عن مصادر للاقتراض تساعد في تمويل الرواتب، فيما تبدو بغداد معتمدة، بحسب قراءات سياسية واقتصادية، على رسائل الاطمئنان التي ينقلها توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، أكثر من اعتمادها على خطط محلية لمواجهة الأسوأ.

وكان الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي قد انتقد ما وصفه بـ"غياب الاستعدادات الاقتصادية وخطط الطوارئ" لدى الحكومة العراقية. وقارن في تدوينة له، بين ما يجري في العراق والإجراءات التي بدأت دول الخليج اتخاذها تحسباً للتصعيد. فهذه الدول، بحسب عرضه، تعمل على تأمين صادرات الطاقة، وضمان استمرار واردات السلع الأساسية، ولا سيما الأغذية والأدوية، وتقليل اعتماد التجارة على مضيق هرمز. وأعلنت دول خليجية عن إجراءات تشمل تقليص أعداد الموظفين في المؤسسات الحكومية بنسبة تصل إلى 70 % وتفعيل أنظمة العمل عن بعد، وتحويل المدارس والجامعات إلى التعليم الإلكتروني، فضلاً عن تأمين مخزونات استراتيجية من الغذاء والدواء والسلع الأساسية تكفي لعدة أشهر، واتخاذ قرارات لتجميد الأسعار أو ضبطها.

أما في العراق، فيقول الهاشمي، فلا تبدو هناك خطط طوارئ معلنة، وكأن الظروف الإقليمية لم تتغير. ولم يقتصر السؤال عن استعداد بغداد على الاقتصاديين. إياد السماوي، المستشار السابق لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، طرح بدوره تساؤلاً عن مدى استعداد العاصمة لأسوأ احتمالات الحرب. ودعا في منشور إلى إعداد سيناريوهات مالية طارئة تضمن استمرار دفع الرواتب، والاستعداد لاحتمال قطع إيران الكابلات البحرية للاتصالات والإنترنت.

النووي يدخل الحسابات

في تطور زاد من حدة المخاوف، بث التلفزيون الإيراني، أمس، تحذيراً للمواطنين بشأن كيفية التصرف في حال وقوع ضربة نووية. وفي الولايات المتحدة، ذهب الصحفي تاكر كارلسون، أحد أبرز المؤيدين السابقين لترامب، إلى طرح احتمال أكثر خطورة. فقد زعم أن إدارة الرئيس الأميركي قد تشن ضربة نووية على موقع إيراني خلال أيام، تحت ضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكتب كارلسون على منصة "إكس" أن إدارة ترامب قد تتجه إلى هذا الخيار، مشيراً إلى جبل الفأس باعتباره هدفاً محتملاً، على خلفية تقارير استخباراتية إسرائيلية تتحدث عن احتمال استئناف إيران برنامج تخصيب اليورانيوم في الموقع. وأضاف أن التحصينات المحيطة بالموقع، التي يصل عمقها إلى نحو 100 متر، تجعل اختراقها بالأسلحة التقليدية أمراً بالغ الصعوبة، وذهب إلى اعتبار السلاح النووي الخيار الوحيد القادر على تدمير المنشأة. لكن هذه المزاعم تبقى في إطار ما طرحه كارلسون، ولا تمثل إعلاناً أميركياً عن قرار باستخدام السلاح النووي. وكان ترامب قد ألمح أخيراً إلى احتمال العودة لتنفيذ ضربات سريعة على مواقع داخل إيران، لكنه قال في الوقت نفسه إن المحادثات تسير بصورة جيدة.

وبين التصعيد والتفاوض، تتباين تقديرات المحللين بشأن مدى اقتراب الحرب وطبيعتها. فمنقذ داغر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعضو مجلس إدارة مؤسسة غالوب الدولية، يرى أن الحديث عن حرب عالمية أو مواجهة كبرى تتجاوز حدود المنطقة ينطوي على مبالغات مقصودة. ويقول داغر لـ(المدى) إن هذه التوقعات تهدف، في جانب منها، إلى منع الولايات المتحدة من ضرب إيران، مضيفاً أن التلويح بتوسيع الحرب إلى أوروبا، أو تجاوز الحدود الجغرافية للصراع، لا يبدو احتمالاً واقعياً. ويصف داغر مثل هذا السيناريو بأنه "انتحار بكل المعايير، انتحار استراتيجي وعملياتي"، معتبراً أن المحور الصيني الروسي الإيراني هو الذي يروج لمثل هذه التصورات، وأن أياً من الأطراف لا يملك مصلحة في اندلاع حرب عالمية. أما استخدام السلاح النووي التكتيكي، فيراه احتمالاً بعيداً أيضاً، لأن الولايات المتحدة تمتلك، بحسب تقديره، قدرات تكنولوجية وعسكرية تجعلها غير مضطرة إلى اللجوء لهذا الخيار.

الإنفاق يتوسع.. والاقتصاد يقترب من منطقة الخطر

لكن داغر لا يفصل غياب الاستعدادات العراقية عن طبيعة السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة. فهو يرى أن انشغال القوى السياسية بتوسيع المناصب الحكومية والتوسع في التعيينات، بدلاً من تقليص الإنفاق والاستعداد للطوارئ، يعكس مشكلة أعمق في إدارة الاقتصاد. ويقول إن برنامج الحكومة الاقتصادي لم يكن واضحاً منذ البداية، وإنه يعتمد على سياسة تؤدي إلى زيادة التضخم، من خلال ضخ مزيد من الأموال في الاقتصاد وتوسيع الإنفاق العام. ويضيف أن الحكومة، بدلاً من الاتجاه إلى تقليص نفقاتها وإعداد موازنة تقشفية تتناسب مع الظروف التي يمر بها العراق، اقترحت أكبر موازنة في تاريخ البلاد، مع توسع في الإنفاق وخفض لقيمة العملة، وهي إجراءات يرى أنها تزيد الكتلة النقدية بالدينار وتدفع باتجاه مزيد من التضخم.

وبحسب تقديرات خبراء ماليين، تواجه موازنة 2027 عجزاً يبلغ نحو 43 تريليون دينار، يتوقع تغطية 88 % منه بالاقتراض، موزعاً بين أكثر من 16 تريليون دينار من التمويل الخارجي، وأكثر من 21 تريليوناً من المصادر المحلية. في المقابل، كانت الحكومة قد استحدثت، قبل أسبوعين، 3 وزارات جديدة و4 مناصب لنواب رئيس الوزراء، فيما تبحث إسناد مواقع إضافية إلى فصائل يفترض أنها تخلت عن السلاح.

الفصائل.. الخطر الذي قد يجعل العراق جزءاً من الحرب

بالنسبة إلى غازي فيصل، رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، فإن العراق لا يواجه مجرد احتمال تداعيات اقتصادية لحرب بين واشنطن وطهران، بل اختباراً أمنياً وسياسياً قد يضعه في قلب المواجهة. ويقول فيصل لـ(المدى) إن وجود فصائل مسلحة عراقية ترتبط بعلاقات سياسية وعسكرية مع إيران يجعل احتمال انتقال الصراع إلى الأراضي العراقية قائماً، خصوصاً إذا نظرت هذه الفصائل إلى أي تحرك أميركي ضد طهران باعتباره استهدافاً للمشروع الإيراني الإقليمي، وليس مواجهة عسكرية محصورة بين دولتين.

وتبرز، وفق فيصل، ثلاثة ملفات متشابكة: حماية الأجواء العراقية، وضبط السلاح، ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي عمليات عسكرية. وهي ملفات تضع بغداد أمام تحديات سيادية وأمنية معقدة، خصوصاً إذا قررت الفصائل المسلحة الرد على أي تحرك أميركي. لكن فيصل يميز بين الموقف السياسي للفصائل وقدراتها العسكرية الفعلية. فالولايات المتحدة، بحسب تقديره، تمتلك تفوقاً جوياً وتكنولوجياً كبيراً، في حين لا تملك الفصائل العراقية منظومات دفاع جوي ورادارات متطورة تستطيع مواجهة الطائرات الأميركية الحديثة، ولا سيما الطائرات الشبحية. ويحذر من أن أي مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية قد تفتح الباب أمام استهداف مواقع الفصائل وقواعدها ومخازن أسلحتها ومنشآتها العسكرية، بما فيها منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومرافق تصنيع الأسلحة، إذا اعتبرت واشنطن أنها تشكل تهديداً لقواتها أو لعملياتها العسكرية. ولا يستبعد فيصل أن تتسع العمليات لتشمل مواقع عسكرية قريبة من الحدود العراقية، إذا توسع نطاق المواجهة، بما يزيد احتمالات انتقال آثار الحرب إلى الأراضي العراقية. مع ذلك، يحذر من التعامل مع الحديث عن استخدام الأراضي العراقية في عملية برية باتجاه إيران باعتباره قراراً عسكرياً محسوماً، ما لم تدعمه معلومات وأدلة موثوقة. فالمشكلة، كما يراها، لا تتوقف عند احتمال أن تصبح الأراضي العراقية ممراً للعمليات العسكرية، بل تشمل أيضاً احتمال تعرض العراق لضربات متبادلة أو تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران.

شارك الخبر: