الفصائل المسلحة تستعد للاحتجاجات.. وصراع النفوذ يهدد ساحة تشرين


هذا الخبر بعنوان "الفصائل تصفي حساباتها في "التحرير".. والتشويش على "تشرين"" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد غير مألوف، تستعد فصائل مسلحة للمشاركة في احتجاجات الذكرى السابعة لتظاهرات تشرين، فيما تتولى فصائل أخرى، انتقلت إلى مواقع السلطة، التشكيك في تلك النوايا والتحذير من مشاركة هذه الجماعات. وبين الطرفين، يجد المحتجون أنفسهم أمام احتمال أن تتحول التظاهرات التي اندلعت أصلاً في مواجهة منظومة الحكم التي توسعت وضمت فصائل إلى ساحة جديدة للصراع بين تلك الأطراف.
المفارقة أن الدعوات إلى استعادة واحدة من أطول موجات الاحتجاج وأوسعها منذ عام 2003 تصاعدت مع صعود فصائل متهمة بقتل ناشطين ومتظاهرين إلى مواقع حكومية. وتعود تشرين وسط غضب من صعود فصائل مسلحة إلى مؤسسات الدولة، وتعثر محاسبة المتورطين بقتل المتظاهرين، وتفاقم البطالة والأزمة الاقتصادية. لكن الجديد هذا العام دخول الفصائل نفسها على خط الاحتجاج، في وقت لا يزال فيه حصر السلاح بيد الدولة موضع خلاف.
قبل 48 ساعة من الاحتجاجات التي يفترض أن تنطلق عند الساعة 11 صباح الأحد في ساحة التحرير ومناطق قريبة منها، وفي عدد من المحافظات، بدأت فصائل لا تزال تتمسك بسلاحها، وتعلن رفضها المشاركة في الحكومة، الترويج لاحتمال نزول أنصارها إلى الشارع. وتقول مصادر سياسية إن هذه الجماعات تستند إلى حجة أنها، مثل بقية العراقيين، تملك "حق التظاهر"، وإنها تعترض على السياسات الاقتصادية والأمنية للحكومة، فضلاً عن موقف بغداد من التطورات الإقليمية.
وتتجه الأنظار خصوصاً إلى "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء"، وهما من أبرز الفصائل التي لا تزال ترفض الانخراط في خطة حصر السلاح بيد الدولة. وكانت هذه الجماعات قد بدأت، قبل نحو أسبوعين، التحرك ضد قرار رئيس الوزراء علي فالح الزيدي رفع سعر صرف الدولار، كما انتقدت السياسة الخارجية للحكومة، ولمحت إلى أن بغداد لا تتخذ موقفاً واضحاً من الضغوط المفروضة على طهران. وتحاول هذه الفصائل تقديم نفسها بوصفها خارج السلطة، وإن كانت مواقعها السياسية وعلاقاتها ببنية الحكم تختلف من جماعة إلى أخرى. ففي حين لا تشارك "حركة النجباء" في العملية السياسية، تمتلك "كتائب حزب الله" 6 ممثلين في البرلمان. وقبل أيام، قال المعاون العسكري لحركة النجباء، عبد القادر الكربلائي، إن الحركة لن تشارك في العملية السياسية، وإن موقفها من هذه المسألة "ثابت ولم يتغير". وفي بيانها الأخير، شددت الحركة على رفض استخدام مصطلحات "حصر أو تسليم أو نزع" سلاح المقاومة، في موقف يعكس استمرار الهوة بين مقاربة الحكومة واللغة التي تتمسك بها الفصائل الرافضة لتسليم أسلحتها.
خلال الأسبوعين الأخيرين، دخلت الفصائل التي كانت تندرج ضمن قائمة واسعة من الجماعات التي تعمل تحت مسمى "المقاومة الإسلامية في العراق" مرحلة مختلفة من التنافس، بعدما صعد عدد منها إلى مواقع في الحكومة، بينما بقيت أخرى خارج الترتيبات السياسية الجديدة. ويقول مستشار سياسي قريب من الإطار التنسيقي إن الفصائل التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها تنظر إلى ما جرى باعتباره "خيانة"، لأنها ترى أن جماعات قبلت الدخول في الحكومة مقابل الالتزام بتسليم السلاح، من دون أن تتحقق الشروط التي كانت مطروحة في هذا السياق. وتضع هذه الجماعات شروطاً بعضها يتعلق بالتحرر الاقتصادي من الولايات المتحدة، إلى جانب مطالب سياسية وأمنية أخرى. لكن هذه الشروط تثير الشكوك بشأن مدى استعدادها الفعلي للتخلي عن السلاح، خصوصاً أن قيادات فيها كررت سابقاً أن هذا الأمر لن يحدث إلا بظهور الإمام الغائب. وفي المقابل، حصلت "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" و"كتائب سيد الشهداء" على مناصب في الحكومة، بعضها للمرة الأولى، في تطور زاد من حساسية العلاقة بين الفصائل التي دخلت مؤسسات الدولة وتلك التي بقيت خارجها. وقال الزيدي، في أحدث مقابلة تلفزيونية، إن حكومته نجحت في إنهاء وجود 5 فصائل من أصل 7 خلال أقل من 5 أشهر، ولم يتبق سوى فصيلين.
ليست المنافسة بين هذه الفصائل وليدة التحركات الأخيرة. فقد بدأت ملامحها بالظهور بصورة أوضح مع أحداث غزة في عام 2023، عندما برزت اتهامات متبادلة بين "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق". وفي ذلك الوقت، أصدرت "كتائب حزب الله" قائمة مصغرة بدا أنها تستثني"العصائب" من جماعة ماتسمى بـ"المقاومة"، وهو ما رفضته الأخيرة، في مؤشر مبكر إلى التصدعات داخل الجماعات التي كانت تظهر عادة في إطار سياسي وعسكري واحد. وتقول المصادر إن هذه المنافسة انتقلت الآن إلى احتجاجات تشرين، وإن الفصائل التي دخلت السلطة استغلت الأخبار المتداولة عن احتمال مشاركة الجماعات الرافضة لتسليم السلاح، من أجل تصفية حسابات قديمة. وروجت حسابات ومنصات رقمية قريبة من هذه الفصائل أن الجماعات الرافضة تسليم السلاح تريد المشاركة في الاحتجاجات، مقدمة ذلك بوصفه مدعاة للتشكيك في مصداقية الشعارات والمطالب التي سيرفعها المتظاهرون. لكن المسألة، وفق المصادر نفسها، تتجاوز تبادل الاتهامات إلى محاولة توجيه ضربة استباقية للتظاهرات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساعها بسبب الغضب من وصول جماعات متهمة بقتل متظاهرين في عام 2019 وما بعده إلى مواقع السلطة.
وقبل شهر من احتجاجات الذكرى السابعة، أعاد هادي العامري، زعيم منظمة بدر، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في ذاكرة تشرين، عندما قال إن "المقاومة" وقفت ضد ما وصفه بـ"فتنة تشرين"، وأسهمت في إنهائها والحفاظ على الدولة والنظام السياسي. أثارت هذه التصريحات غضب ناشطين، فيما حرك حقوقيون دعاوى قضائية ضد العامري، لم يعرف مصيرها حتى الآن. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتبنى فيها خطاباً مماثلاً، إذ سبق له أن اتهم المحتجين، في سنوات سابقة، بأنهم بعثيون. وفي أحدث تصريحاته التلفزيونية، عاد عادل عبد المهدي، رئيس الحكومة التي أطاحت بها احتجاجات تشرين، إلى تقديم قراءة للأحداث تركز على وجود مندسين واختراقات أجنبية. وأشار إلى أن سياسة حكومته الخارجية، التي اتجهت نحو الشرق ودعمت إيران، كانت من أسباب الاحتجاجات. لكن هذه الروايات لا تبدد الأسئلة المتعلقة بكيفية تعامل الدولة والقوى المسلحة مع المتظاهرين، ولا تفسر استمرار غياب المحاسبة عن أعمال القتل التي رافقت الاحتجاجات. ففي عام 2019، بدأت التظاهرات وسط مشاهد عنف غير مسبوقة، مع تقارير عن استخدام قناصة وسقوط المئات من الضحايا، من دون أن تفضي التحقيقات إلى محاسبة شاملة للمسؤولين عن عمليات القتل وبعد انحسار الاحتجاجات، سوفت مطالب المتظاهرين، وتعرض ناشطون للاعتقال والاغتيال، بينما فشلت حكومتان متعاقبتان في توجيه اتهامات حاسمة إلى المسؤولين عن تلك الجرائم أو الوصول إلى محاسبة قضائية شاملة للمتورطين.
في المقابل، لم يصدر عن الناشطين موقف موحد ومعلن بشأن احتمال مشاركة الفصائل المسلحة في احتجاجات الأحد. لكن أحمد الوشاح، أحد الناشطين، قال إن المتظاهرين واعون، ولن يسمحوا لأحد بـ"ركوب الموجة". وتحمل هذه العبارة جانباً من القلق الذي يرافق استعادة تشرين. فالمحتجون لا يواجهون فقط احتمال تدخل قوى مسلحة، بل أيضاً خطر تحويل مطالبهم إلى جزء من صراع بين أطراف كانت، أو لا تزال، قريبة من بنية السلطة. وتضمنت بعض الأوراق المتداولة بشأن مطالب الاحتجاجات الدعوة إلى إنهاء المحاصصة، وتوسيع الحكومة، ومعالجة تداعيات ارتفاع سعر الدولار، ودعت إلى "السلمية" بالإحتجاج. وهي مطالب تعيد إلى الشارع ملفات لم تختف منذ عام 2019، لكنها تكتسب اليوم حساسية إضافية مع انتقال فصائل إلى مواقع رسمية واستمرار الخلاف بشأن السلاح. وقال حسين الغرابي، الأمين العام لحزب "البيت الوطني"، إن الحكومة قدمت "مكافأة" للمتورطين في قتل المحتجين، عبر منحهم مناصب وزارية ومديريات عامة. ولم يستبعد الغرابي وجود حركات تحاول الدخول إلى الاحتجاجات، قائلاً إنه سمع "الكثير من التلميحات" إلى أن قوى من المقاومة ستنزل إلى التظاهرات. وأضاف أن المشاركين سيحاولون، بكل ما يملكون، حماية الحركة الاحتجاجية من هذه التدخلات.
وعلى الأرض، وجه ناشطون نداءات إلى الحكومة لمنع التعرض للمحتجين، وسط تقارير عن مضايقات واعتقالات سبقت موعد التظاهرات. وكشف الحزب الشيوعي العراقي، عبر رسالة نشرها أحد المحتجين، عن مضايقات في الناصرية قبل ساعات من الاحتجاجات، إلى جانب اعتقالات في منطقة الكرادة وسط بغداد على خلفية الترويج للتظاهرات. وكان علي الزيدي، رئيس الحكومة، قد وجه، الخميس الماضي، الأجهزة الأمنية بتأمين التظاهرات السلمية المرتقبة والتعامل الإنساني مع الاحتجاجات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة