العراق
اقتصاد

عراقيات خلف المقود: سائقات الأجرة يواجهن تحديات الحياة بمرونة واستقلالية

المدى١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٢ م1 مشاهدة
عراقيات خلف المقود: سائقات الأجرة يواجهن تحديات الحياة بمرونة واستقلالية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عراقيات يقدن سيارات الأجرة لكسب الرزق.. مهنة بين الحرية والأعباء!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ساعات الصباح الباكر، تنطلق نساء عراقيات خلف عجلة القيادة بحثًا عن مصدر رزق يعينهن على تلبية احتياجات أسرهن. من نقل الطالبات والموظفات إلى قيادة سيارات الأجرة المخصصة للنساء، تسعى هؤلاء النساء إلى إيجاد فرص عمل خارج المسارات التقليدية، مستفيدات من سياراتهن لتأمين دخل يساعدهن على مواجهة متطلبات الحياة. ورغم ما يتيحه هذا العمل من مرونة وفرصة للاعتماد على الذات، فإنه يضعهن أمام أعباء يومية تشمل تكاليف الوقود والصيانة، وتنظيم المواعيد، والتعامل مع التحديات المهنية والاجتماعية. بين الرغبة في الاستقلال الاقتصادي ومحدودية فرص العمل، تكشف تجارب سائقات في النجف وبغداد عن واقع نساء يسعين إلى بناء مصدر دخل خاص بهن، في مهنة تتطلب جهدًا مستمرًا وفرصًا أكبر للدعم والاستقرار.

في محافظة النجف، تبدأ أم علي، البالغة من العمر 35 عامًا والأم لثلاثة أطفال، يومها مبكرًا، مستعدةً لجولة جديدة في شوارع المدينة خلف عجلة سيارتها التي تحولت إلى وسيلة عمل ومصدر دخل تعيل به أسرتها. تعمل أم علي على نقل الطالبات والموظفات، ملتزمةً بمواعيدهن اليومية ومدركةً أن مسؤوليتها لا تقتصر على إيصالهن إلى وجهاتهن، بل تشمل احترام الوقت وتوفير رحلة مريحة وآمنة. تقول أم علي إن العمل يتطلب الصبر والتنظيم والقدرة على التعامل مع ازدحام الشوارع وتعدد الوجهات واختلاف مواعيد الدوام، موضحةً أن نقل الطالبات والموظفات يرتبط بجدول يومي دقيق، ما يجعل الالتزام بالمواعيد عنصرًا أساسيًا لاستمرار العمل وبناء الثقة مع الزبائن. وتضيف: "اخترت هذا المجال رغبةً مني في العمل وتوفير دخل يساعدني على مواجهة متطلبات الحياة، بدلًا من انتظار فرصة وظيفية قد لا تكون متاحة. وبالنسبة إليّ، تمثل السيارة وسيلة للعمل ومحاولة للاعتماد على الذات". لكن هذه التجربة لا تخلو من الأعباء، إذ تؤكد أنها تتحمل تكاليف الوقود والصيانة، فضلًا عن الجهد الذي يتطلبه التنقل اليومي وتنظيم الرحلات والتوفيق بين مسؤوليات العمل ومتطلبات أسرتها.

من فرص العمل إلى الاستقرار

ترى آلاء التميمي، مسؤولة شعبة شؤون المرأة في مجلس محافظة النجف، أن الاستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية للأعوام 2023–2030 تتضمن محاور متعددة، من بينها التمكين الاقتصادي، بما يعزز أهمية دعم مشاركة المرأة في سوق العمل وفتح المجال أمامها لخوض تجارب مهنية متنوعة. وقالت التميمي لـ"المدى" إن النساء اللواتي يعملن في قيادة سيارات الأجرة أو نقل الطالبات والموظفات يقدمن نموذجًا للمرأة التي تسعى إلى صناعة فرصة عمل بنفسها بدلًا من انتظار التعيين، موضحةً أن السيارة يمكن أن تتحول لدى بعضهن إلى مشروع صغير يسهم في توفير دخل للأسرة وتلبية احتياجاتها. ولا يقتصر دور هذه الخدمات على توفير فرص العمل للسائقات، بل يشمل أيضًا تلبية احتياجات بعض العائلات التي تفضّل أن تتولى امرأة نقل بناتها أو أفرادها من النساء لأسباب تتعلق بالراحة والخصوصية. غير أن توسيع هذه التجارب يتطلب أكثر من تشجيع النساء على دخول سوق العمل؛ فهو يحتاج إلى فرص مناسبة للاستمرار، وبيئة عمل آمنة، وإمكانية الوصول إلى التدريب والتمويل والخدمات التي تساعد على تطوير المشروعات الصغيرة.

تحديات العمل ومتطلبات الحياة في العاصمة بغداد

في العاصمة بغداد، تعمل أم محمد، البالغة من العمر 45 عامًا، والأم لخمسة أطفال، سائقةَ سيارة أجرة تتنقل بين شوارع المدينة لتأمين مصدر دخل لأسرتها. وتنقل النساء خلال أيام الأسبوع، وتستثمر العطل المدرسية في نقل الموظفات، محاولةً تنظيم وقتها والاستفادة من فرص العمل المتاحة. وتوضح: "العمل يحتاج إلى صبر وتنظيم، خصوصًا في بغداد بسبب الزحام واختلاف الطرق والوجهات. أحاول أن أرتب مواعيدي وأستفيد من وقتي حتى أستمر بالعمل وأوفر دخلًا لعائلتي". وتضيف أن نظرة المجتمع إلى النساء العاملات في قيادة سيارات الأجرة بدأت تتغير، وأن تقبّل وجود المرأة في هذه المهنة أصبح أكبر مما كان عليه سابقًا، لكنها اختارت أن تقتصر خدماتها على النساء. وتقول: "أقتصر في عملي على نقل النساء فقط، ولا أنقل الرجال". وتشير أم محمد إلى أن العمل يفرض عليها التعامل يوميًا مع ظروف الطريق وتغيّر المواعيد، فضلًا عن مسؤولية الحفاظ على راحة الراكبات وسلامتهن. ورغم ما يتطلبه من جهد ووقت، فإنها تواصل العمل لتأمين احتياجات أسرتها والاعتماد على نفسها. وتكشف تجربتها جانبًا آخر من عمل النساء في هذا القطاع، إذ لا يرتبط اختيار المهنة بتوفير الدخل فحسب، بل قد يتصل أيضًا بطبيعة الخدمة التي ترغب السائقة في تقديمها، وحدود العمل التي تضعها بما يتناسب مع ظروفها واحتياجاتها.

تطبيق عراقي للنقل النسائي

أوضح مؤسس المشروع والمدير العام لتطبيق "تكسي هيا" النسائي، طه ياسين ذياب الكعود، لـ"المدى" أن فكرة المشروع بدأت قبل ثلاث سنوات ونصف، بهدف توفير خدمة نقل مخصصة للنساء، تتيح لهن التنقل بأمان وخصوصية، وتوفر في الوقت نفسه فرص عمل للنساء الراغبات في العمل سائقاتِ سيارات أجرة. وبيّن أن التجربة الأولى انطلقت من خلال تطبيق "تكسي مريم"، لكنها توقفت لاحقًا بعد انتهاء الشراكة بين القائمين عليها، الأمر الذي دفع إلى إعادة دراسة المشروع وتطوير فكرته، وصولًا إلى إطلاق تطبيق "تكسي هيا" بصيغته الحالية، مع التركيز على احتياجات النساء ومتطلبات النقل الآمن. ويعتمد التطبيق على نظامين مترابطين، أحدهما مخصص للراكبات والآخر للسائقات، بما يتيح تنظيم طلبات النقل والحجز المسبق. ويعمل فريق المشروع على تطوير الخدمة والتخطيط لتوسيع نطاقها إلى مناطق جديدة وفقًا للإمكانات المتاحة واحتياجات المستخدمين. وفي ما يتعلق بآلية العمل، أشار الكعود إلى أن انضمام السائقات يخضع لمتطلبات محددة تهدف إلى ضمان كفاءة الخدمة والالتزام بمعايير السلامة، كما يتطلب تشغيل المشروع توفير إمكانات مالية وتقنية وتسويقية، فضلًا عن متابعة عمل السائقات وتنظيم الرحلات والاستجابة لاحتياجات الراكبات. وأضاف أن عدد السائقات المسجلات في التطبيق تجاوز نحو 150 سائقة في بغداد، فيما بلغ عدد مستخدمي الخدمة نحو 7 آلاف مستخدم، وسُجلت 3566 رحلة. وتعمل الإدارة على متابعة الرحلات وتعزيز إجراءات السلامة والتعامل مع الشكاوى، بما فيها الشكاوى المتعلقة بالمضايقات أو السلوكيات غير المقبولة. ولفت إلى أن المشروع واجه تحديات تتعلق بالتسويق وتوفير الدعم المستمر والمحافظة على استقرار عمل السائقات في ظل اختلاف ظروفهن والتزاماتهن الشخصية. وخلال أزمة الوقود، قدّم التطبيق تخفيضات وصلت إلى 50% على أجور الرحلات، مع تعويض السائقات نقديًا عن الفارق، بهدف تخفيف الأعباء عن الراكبات ومساندة العاملات في الوقت نفسه. وأكد الكعود أن قيادة سيارات الأجرة مهنة كريمة يمكن أن توفر مصدر دخل للنساء، مبينًا أن استمرار المشروع وتطوره يتطلبان تعاونًا بين الإدارة والسائقات والمستخدمات، إلى جانب تعزيز ثقة المجتمع بخدمات النقل المخصصة للنساء.

تكسي المطار يفتح فرص عمل أمام السائقات في بغداد

في 9 أيلول/سبتمبر 2026، أُعلن عن فتح باب التقديم أمام النساء للعمل سائقاتٍ ضمن خدمة تكسي المطار في مطار بغداد الدولي، التابعة للشركة العامة لنقل المسافرين والوفود في وزارة النقل، في خطوة تهدف إلى توفير فرص عمل جديدة للنساء وتعزيز مشاركتهن في قطاع النقل. وبحسب الإعلان المنشور في الموقع الرسمي لوزارة النقل العراقية، يتطلب التقديم تقديم هوية الأحوال المدنية وإجازة سوق سارية وكفالة ضامنة، مع مراجعة مقر الشركة في منطقة الوزيرية الصناعية قرب محطة وقود المستنصرية. وتمثل المبادرة فرصة لتوسيع حضور النساء في قطاع النقل وتوفير خيارات إضافية للمسافرات، ضمن الضوابط المعتمدة.

العمل المستقل بين تأمين الدخل والاستقرار الاقتصادي

تضيف الباحثة في الشؤون الاقتصادية هالة جبر أن تقييم تجربة النساء العاملات في مجال النقل لا ينبغي أن يقتصر على قدرتهن على توفير دخل يومي، بل يجب أن يشمل طبيعة هذا الدخل ومدى استقراره مقارنةً بالنفقات التي يتطلبها العمل، وفي مقدمتها الوقود وصيانة السيارة والتأمين، فضلًا عن المصاريف الأخرى المرتبطة بتشغيلها. وتؤكد أن العمل لحساب الذات يمنح المرأة مساحة من المرونة في تنظيم وقتها واختيار طبيعة عملها، لكنه في المقابل يضع على عاتقها مسؤولية تغطية التكاليف وتحمل مخاطر تراجع الطلب أو تعطل السيارة من دون ضمان راتب شهري ثابت أو امتيازات وظيفية. وتشير جبر إلى أن تحقيق التمكين الاقتصادي يرتبط بقدرة المرأة على تحقيق دخل صافٍ يكفي لتغطية احتياجاتها والتزاماتها، مع إمكانية الادخار والتخطيط للمستقبل. كما أن استدامة هذا العمل تتطلب بيئة مناسبة وفرصًا للحصول على التمويل وإمكانية الوصول إلى خدمات الحماية الاجتماعية والتدريب المهني. وتوضح أن دعم النساء العاملات لحسابهن الخاص يكتسب أهمية من خلال مبادرات تساعدهن على تطوير مشروعاتهن الصغيرة وتحسين إدارة الموارد وتخفيف الأعباء التشغيلية، بما يعزز فرص تحول العمل في مجال النقل من استجابة للظروف المعيشية إلى نشاط اقتصادي أكثر استقرارًا.

بين النظرة المجتمعية وحق المرأة في العمل

إلى جانب التحديات الاقتصادية والمهنية، تواجه النساء العاملات في مجال النقل تحديات اجتماعية، خصوصًا في البيئات التي لا تزال بعض المهن فيها مرتبطة، بحكم العادات والتقاليد، بالرجال. وتسلط الناشطة في مجال حقوق المرأة هبة محمد الضوء على الصعوبات التي تواجه النساء عند دخولهن هذا المجال، مشيرةً إلى أن قيادة سيارات الأجرة قد تضعهن أمام أحكام مسبقة أو تساؤلات اجتماعية، رغم أن الدافع لدى كثيرات منهن هو تأمين مصدر رزق ومساعدة أسرهن. وتضيف أن هذه المسألة تكتسب أهمية في ظل محدودية فرص العمل المتاحة أمام بعض النساء، ما يدفعهن إلى البحث عن بدائل خارج الوظائف التقليدية. وترى أن تجاوز هذه التحديات لا يقتصر على زيادة عدد النساء العاملات في المجال، بل يتطلب احترام حقهن في اختيار المهنة وتوفير ظروف تساعدهن على ممارستها بكرامة وأمان. كما أن دعم العاملات لحسابهن الخاص يستلزم الاهتمام بالتدريب على إدارة المشروعات الصغيرة، والتوعية بالحقوق المهنية، وتوفير فرص مناسبة تساعد على تطوير أنشطتهن الاقتصادية وتعزيز قدرتهن على الاستمرار.

شارك الخبر: