العراق
سياسة

مجلس القضاء الأعلى العراقي يطلق مؤتمراً علمياً رائداً لتطوير العدالة في العصر الرقمي

المدى٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ ص0 مشاهدة
مجلس القضاء الأعلى العراقي يطلق مؤتمراً علمياً رائداً لتطوير العدالة في العصر الرقمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المؤتمر العلمي للقضاء العراقي وآفاق تطوير العدالة" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يمثل إعلان مجلس القضاء الأعلى عن تنظيم المؤتمر العلمي الأول للقضاء العراقي، بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بغداد يومي 15 و16 نيسان 2027، تحت عنوان «القضاء العراقي بين إرث قرن من العدالة ومتطلبات المستقبل الرقمي»، خطوة بارزة نحو تطوير المؤسسة القضائية وتعزيز ارتباطها بالبحث العلمي. يهدف المؤتمر إلى بحث احتياجات القضاء العراقي استنادًا إلى خبرته المتراكمة والتحولات المعاصرة، وسيجمع قضاة وأكاديميين لمناقشة قضايا ملحة تنبع من تطبيق القانون، مثل أثر جودة التشريع في العمل القضائي وكيفية الاستفادة من الأحكام القضائية في مراجعة النصوص القانونية ومعالجة أوجه القصور فيها.

وفي تعليق له، أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، أن «مستقبل القضاء نصنعه بالعلم والخبرة والانفتاح»، مشيدًا بهذا التوجه الذي يمنح البحث العلمي مكانة محورية في تطوير المؤسسة القضائية. إن تبني رئاسة المجلس للحوار مع أهل الاختصاص يفتح الباب أمام الباحثين لعرض دراساتهم على المعنيين بتطبيقها، ويتيح للخبرة القضائية المتراكمة مجالًا أوسع للنقاش والمساهمة في التعليم القانوني.

وبصفتي أستاذًا للقانون وخبيرًا في الصياغة التشريعية، أهتم بمصير الملاحظات التي يكشفها تطبيق النصوص القانونية أمام القضاء. فقد تستغرق صياغة مادة قانونية وقتًا طويلًا، ثم تظهر عند نظر المنازعات إشكالات لم ينتبه إليها واضعوها، أو يتكرر الخلاف حول عبارة معينة في أحكام قضائية متعددة دون تغييرها. وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف تنتقل هذه الخبرة المتراكمة من ملفات الدعاوى إلى طاولة المراجعة التشريعية؟ إن جمع القاضي والمتخصص في الصياغة القانونية حول نص محدد يمكن أن يسهم في فهم هذه الإشكاليات وتحديد المعالجات المناسبة لها. هذا الاهتمام دفعني لتقديم بحث للمؤتمر يتناول بعض الإشكاليات التي تنشأ عند انتقال النص التشريعي إلى التطبيق القضائي، معتمدًا على تحليل تطبيقات منشورة لمحكمة التمييز الاتحادية. تمحور سؤالي البحثي حول مصدر الاختلاف في فهم النص: متى تكشف الأحكام القضائية عن مشكلة تستدعي مراجعة الصياغة، ومتى يكون الاختلاف ناتجًا عن خصوصية الوقائع أو عن اجتهاد قضائي له أسبابه؟ إن التمييز بين هذين الأمرين ضروري، لأن اقتراح تعديل تشريعي يتطلب تشخيصًا دقيقًا لتجنب تغيير النص دون معالجة سبب الإشكال. من خلال هذا البحث، وضعت اهتمامي بالصياغة التشريعية أمام اختبار قضائي عملي، وقدمت مقترحات لتعزيز التواصل بين الخبرة القضائية المتراكمة والجهات المعنية بإعداد التشريعات ومراجعتها، لضمان وصول الملاحظات الناتجة عن التطبيق إلى المناقشة بشكل منهجي.

تتيح اللقاءات العلمية من هذا النوع للباحث عرض قراءاته أمام القضاة الذين خبروا تطبيق النصوص، والاستماع إلى تفاصيل قد لا تظهر كاملة في الحكم المنشور. كما تتيح للقضاة الاطلاع على معالجات أكاديمية تتناول المسائل من زوايا مقارنة أو تربطها بنصوص أخرى. أرى في هذا الحوار فائدة مباشرة لتدريس القانون، حيث يمكن نقل الأسئلة المطروحة في المؤتمر إلى قاعات الدراسة، مما يمنح الطلبة معرفة أقرب إلى العمل القضائي ويفتح أمام طلبة الدراسات العليا موضوعات بحثية تستمد قيمتها من حاجة فعلية للقضاء.

فيما يتعلق بالمقارنة مع تجارب الدول الأخرى، فإن طبيعة الأسئلة المطروحة ومدى ارتباطها بالممارسة القضائية تثير اهتمامي. ففي ندوة نظمتها محكمة النقض الفرنسية في أيلول 2025 حول الذكاء الاصطناعي ومهن العدالة، تركز النقاش على موثوقية الأدوات المستخدمة من قبل القضاة والمحامين، وحماية البيانات، والحاجة إلى تدريبهم على استخدام هذه الأدوات. وقد ارتبط الموضوع بتفاصيل العمل القضائي والمهام التي يمكن إسنادها إلى الأدوات الرقمية وكيفية مراجعة نتائجها، مما فتح مجالًا واسعًا للتعاون بين المتخصصين في القانون والتقنية. أما المؤتمر العدلي الدولي في الرياض عام 2023، فقد خصص جانبًا من أعماله للتحول الرقمي والبعد القانوني للذكاء الاصطناعي، وهي قضايا حاضرة أيضًا في الإعلان العراقي. يمكن الاستفادة من هذه التجارب في دراسة تطبيقات تتصل باحتياجات المحاكم، مثل تسهيل الوصول إلى الأحكام القضائية وتصنيفها والبحث في مبادئها. فالباحث في الصياغة التشريعية، على سبيل المثال، يستفيد من إمكانية تتبع كيفية تطبيق مادة قانونية عبر أحكام متعددة، مما يساعده على فهم النص في سياقه العملي واقتراح ما يراه مناسبًا لتطويره.

بالنسبة للجامعات، يفتح المؤتمر مجالًا لتوسيع الدراسات التطبيقية وتعزيز مشاركة الباحثين الشباب في مناقشة المسائل القضائية. قد تؤدي الملاحظات المتبادلة في الجلسات العلمية إلى مشاريع بحثية مشتركة أو إعادة النظر في خطط الرسائل الجامعية لتصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات القضاء. كما يمكن لبرامج التدريب القانوني الاستفادة من البحوث المقدمة، لا سيما الدراسات التي تتناول أمثلة محددة وتشرح كيفية تحليلها والوصول إلى نتائجها.

أتطلع إلى أن يشجع هذا اللقاء على إعداد دراسات مشتركة تتناول نصوصًا قانونية أظهرت التطبيقات القضائية حاجة لمراجعتها، بمشاركة قضاة ومتخصصين في التشريع. يمكن أن تتضمن هذه الدراسات عرضًا للمشكلة كما ظهرت في الأحكام، ومناقشة للمعالجات الممكنة مع تقديم صياغات مقترحة للجهات المختصة. إن نشر مثل هذه الأعمال يوسع النقاش حولها ويتيح الإفادة منها للباحثين في مجالات قريبة.

إن اهتمام القاضي فائق زيدان بهذا المؤتمر ودعمه للتواصل بين القضاء والجامعة يستحقان الإشادة، لما يتيحان من فرص للحقل العلمي القانوني في العراق. من شأن هذا اللقاء أن يقرب الباحثين من الأسئلة التي تشغل المؤسسة القضائية، وأن يمنح خبرة القضاة حضورًا أوسع في الدراسات الجامعية. وبصفتي أحد المتقدمين ببحث للمؤتمر، أتطلع إلى الإفادة من هذه المناقشات وتطوير عملي في ضوئها، وإلى أن تثمر لقاءاته تعاونًا بحثيًا مستمرًا في دراسة النصوص والأحكام القضائية بعد انتهاء جلساته.

شارك الخبر: