العراق
سياسة

غموض يلف اتفاق السلاح العراقي: نهايات مفتوحة وخلافات حول التوقيع والمناصب

المدى٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:١٨ م0 مشاهدة
غموض يلف اتفاق السلاح العراقي: نهايات مفتوحة وخلافات حول التوقيع والمناصب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سلاح الفصائل.. اتفاق بنهايات مفتوحة وغموض يحيط بتوقيع الزيدي" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد عامين من المفاوضات مع الفصائل المسلحة، وشهر على توقيع اتفاق يُفترض أنه نهائي، لا يزال ملف السلاح غامضاً في العراق. لا أطراف الاتفاق معروفة بوضوح، ولا مضمونه محسوم، وسط خلاف حول ما إذا كان المطلوب نزع السلاح أم حصره وتنظيمه أو ضمه إلى مؤسسات الدولة.

ثلاثة مصادر شيعية تحدثت إلى (المدى) تطرح نهايات متباينة للملف، تتراوح بين تخزين الأسلحة داخل مؤسسات الدولة وإعادة توزيع النفوذ والمناصب، إلى احتمال احتفاظ الفصائل بسلاحها ما دامت المنطقة تستعد لمواجهة جديدة بين واشنطن وطهران. وبين رواية تؤكد توقيع جميع الأطراف، وأخرى تنفي توقيع رئيس الوزراء، يبدو أن بغداد توصلت إلى تفاهم سياسي لم تتفق حتى الآن على تفاصيله أو حتى على تسمية ما يُفترض أن ينهيه.

“لن يُسلَّم السلاح”

يختصر نائب شيعي، طلب عدم الكشف عن اسمه، أكثر السيناريوهات تشاؤماً بالقول: “السلاح لن يُسلَّم ما دامت هناك حرب”. وهو لا يقصد مواجهة داخل العراق، بل حرباً محتملة بين واشنطن وطهران، في ظل استعدادات عسكرية واحترازات إقليمية. ويقول لـ(المدى): “كيف يمكن تسليم السلاح والمنطقة تأخذ تدابير احترازية من حرب؟ الخليج وإيران فعلا ذلك، وأميركا تريد إبعاد قطعاتها عن أيدي طهران وإخراجها من الخليج… يبدو أن الحرب قادمة لا محالة”.

يتقاطع هذا التصور مع موقف أكبر الفصائل المسلحة، التي لا تعلن استعدادها للتخلي عن أسلحتها، حتى في فترات التقارب مع الحكومة، وتطرح شروطاً يصعب تحقيق بعضها. وهي تتحدث عن المشاركة في نقاشات تنظيم السلاح، من دون إعلان قبولها تسليمه. بل إن بعض الجماعات سبق أن قالت إن ما تملكه ليس سلاحاً خاصاً بها، وإنما “سلاح الإمام الغائب”، ولا يُسلَّم إلا عند ظهوره.

وبحسب النائب نفسه، بدأت المفاوضات الفعلية بعد صيف 2024، عندما وصلت رسائل إلى قوى الإطار التنسيقي تحذر من أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قد تعني توجيه ضربات إلى الجماعات المسلحة. وفي أيلول من ذلك العام، كشفت حكومة محمد شياع السوداني عن مباحثات سياسية مع الفصائل، بالتزامن مع اتفاق انسحاب القوات الأميركية، الذي اكتمل في أيلول 2026. كان الاتفاق، وفق مصادر سابقة لـ(المدى)، أحد أبرز إنجازات السوداني التي أراد توظيفها للفوز بولاية ثانية. لكن محاولة اغتيال صحفية أميركية، بعد الإفراج عنها إثر اختطافها في بغداد، ساهمت، بحسب تلك المصادر، في تقويض هذا المسار. وتقول المصادر إن الحادثة غيّرت حسابات ترامب، ودفعت به إلى النظر إلى علي الزيدي، الذي كان اسمه مطروحاً أيضاً، بوصفه خياراً مختلفاً.

الزيدي يعيد فتح الملف.. لكن من فرض المواعيد؟

في تموز الماضي، أطلق علي الزيدي الجولة الثانية من المفاوضات مع الفصائل، لكن القوى الشيعية لم تتفق حتى الآن على الجهة التي فرضت موعد 30 أيلول لإغلاق ملف السلاح، قبل أن يُمدَّد إلى حزيران المقبل. تتعدد الروايات بشأن الموعد، فبعضها يقول إن الزيدي حدده باجتهاد منه، بعدما فوجئ خلال لقائه الأول مع ترامب، وحاول تفادي خطة أميركية لقطع رواتب الحشد الشعبي. ورواية ثانية تتحدث عن طلب أميركي مباشر، فيما تنسب ثالثة القرار إلى اتفاق بين الزيدي والإطار التنسيقي. ومع ذلك، نجحت لجنة ثلاثية داخل الإطار، تحولت لاحقاً إلى رباعية، في دفع الفصائل نحو تفاهم بشأن تسليم السلاح أو تنظيمه. لكن الاتفاق على التفاهم لم يحسم معنى التسليم ولا آليات التنفيذ، كما لا يزال الموعد الجديد موضع شك بشأن قدرة الأطراف على الالتزام به.

ويقول قيادي في أحد أحزاب التحالف الشيعي إن حزيران هو الموعد المطروح لإغلاق الملف، من دون أن يعني ذلك موافقة جميع الفصائل على تسليم أسلحتها بالمعنى الحرفي. وفي المقابل، روّجت قوى شيعية وأوساط مقربة من الزيدي أن الأخير نجح، خلال لقائه الثاني مع ترامب في نيويورك في أيلول الماضي، وبمساعدة مبعوثه إلى العراق توم باراك، في إقناع الرئيس الأميركي بتمديد المهلة. ويرى القيادي الشيعي أن آثار التفاهم ظهرت في تركيبة الحكومة نفسها. فالتوسعة التي وُصفت بأنها حكومة ترضية، وإعادة توزيع الوزارات، وفك ارتباط مؤسسات وربط أخرى، واستحداث مناصب جديدة، كلها مؤشرات، بحسب رأيه، إلى أن التسوية تجاوزت ملف السلاح إلى إعادة توزيع النفوذ. لكن هذه الترتيبات لم تشمل جميع الفصائل. فـ”كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” ما زالتا، وفق الرواية المتداولة، خارج القسمة الحكومية. ومع ذلك، يقول القيادي إن “الجميع سيشارك، لكن لا يعلنون ذلك”. وكانت (المدى) قد كشفت سابقاً عن تسريبات بشأن قائمة طويلة من المناصب التي تطلبها “الكتائب” داخل الحكومة، بينها رئاسة جهاز المخابرات. لكن حركة حقوق، الجناح السياسي للكتائب، تنفي اكتمال الاتفاق من أساسه. ويقول رئيس كتلتها النيابية سعود الساعدي إن رئيس الوزراء علي الزيدي لم يوقع على الاتفاق حتى الآن. وتصطدم رواية الساعدي بتأكيد القيادي الشيعي أن جميع الأطراف وقّعت الاتفاق، معتبراً أن توزيع المناصب وإعادة ترتيب المؤسسات لا يمكن أن يمضيا من دون تفاهم مسبق.

لجنة بلا قرار حكومي

وفي تفسير آخر لطبيعة المفاوضات، يقول الباحث والسياسي ذو الفقار حسين إن اللجنة التي تولت التفاوض مع الفصائل ليست رسمية بالمعنى الإداري، بل تشكلت توافقياً داخل الإطار التنسيقي، من دون أمر حكومي بتأسيسها. ويوضح لـ(المدى): “اللجنة هي لجنة توافقية وليست لجنة رسمية، وبالتالي لم يكن هنالك أمر إداري أو أمر وزاري بتشكيلها، باعتبار أن اللجنة مكونة من قادة الإطار، وهم أعلى سلطة بالعراق، فلا يمكن وضعهم بلجنة تصدر بأمر”. ويقلل حسين من دور رئيس الوزراء علي الزيدي في عملها، قائلاً إن علاقته باللجنة لا تتجاوز كونها إطاراً توافقياً يهدف إلى التوصل إلى تفاهمات مع الفصائل بشأن نزع السلاح. لكن الوقت، بحسب حسين، لا يعمل لمصلحة المفاوضين. فموعد 30 حزيران المقبل يقترب، فيما تحاول الفصائل كسب أكبر قدر ممكن من الوقت، مستفيدة من الأجواء المتوترة في المنطقة واحتمالات اندلاع حرب جديدة. ويرى أن هذه التطورات قد تتحول إلى أوراق تفاوض تستخدمها الجماعات المسلحة لتحسين شروطها.

في المقابل، يطالب رئيس كتلة حقوق النيابية سعود الساعدي بإعلان الاتفاق إذا كان قد وُقّع بالفعل. وقال في مقابلة تلفزيونية: “إذا كان هناك اتفاق وقّع عليه رئيس الوزراء، فليعلنوا ذلك”. ويعتقد الساعدي أن عدم الإعلان قد يرتبط بالخوف من الحرج والضغط الأميركي، متسائلاً عما إذا كانت واشنطن ستقبل بهذا الاتفاق، قبل أن يلمح إلى أن المؤشرات المتاحة لا توحي بموافقتها.

واشنطن ليست ضد التفاوض.. لكن أين تقف حدوده؟

بدوره، يعزو سياسي شيعي تعثر توقيع الاتفاق إلى مطالب بعض الفصائل بمناصب يصفها بأنها غير منطقية. لكنه يستبعد أن تكون واشنطن رافضة لمسار التفاوض من أساسه، مشيراً إلى أن مبعوث الرئيس الأميركي توم باراك يؤيد علناً تحركات الزيدي، وإن كان هذا التأييد، برأيه، لا يعني قبول الولايات المتحدة بكل ما قد تفضي إليه التسوية. أما النائب الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، فيذهب إلى تفسير أبعد، معتبراً أن ما يجري قد يكون تسوية قدمتها طهران لحماية الفصائل، مقابل حصولها على مواقع مهمة داخل مؤسسات الدولة. وفق هذا التصور، لم تعد المفاوضات مقتصرة على مصير الأسلحة، بل امتدت إلى إعادة توزيع النفوذ الحكومي، بما يتيح للجماعات المسلحة الاحتفاظ بجزء من قوتها، حتى إذا تغير الشكل القانوني لوجودها.

غير أن مواقف بعض الفصائل تكشف أن الخلاف لم يُحسم، حتى بين الجماعات التي يُفترض أنها دخلت في التفاهمات. فحركة “أنصار الله الأوفياء”، التي تُعد ضمن الجماعات الـ5 التي أعلن الزيدي أنها سلّمت السلاح، لا تزال ترفض ذلك على لسان متحدثها علي الفتلاوي. وهنا يعود النزاع إلى معنى التسليم نفسه: هل يعني التخلي المادي عن الأسلحة، أم انضمام التشكيلات إلى الحشد الشعبي، وإيداع أسلحتها في مخازنه، بحيث لا تتحرك إلا بأوامر القائد العام للقوات المسلحة؟

الباحث في الشأن السياسي رحيم العبودي يتبنى التفسير الثاني، ويرى أن الخلاف يدور حول طبيعة التسليم وآلياته، لا حول مبدأ تنظيم السلاح. ويقول لـ(المدى) إن التسليم لا يعني بالضرورة إخراج الأسلحة من حيازة الجماعات بصورة مادية، بل إخضاعها لمؤسسات الحشد الشعبي وتخزينها فيها، مع ربط استخدامها بأوامر القائد العام للقوات المسلحة. لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع. فالنائب الشيعي الذي تحدث إلى (المدى) يرى أن استخدام السلاح في حال اندلاع حرب على إيران قد يبقى خارج نطاق الاتفاق، حتى إذا توصلت الفصائل إلى تفاهم بشأن تخزين أسلحتها أو تنظيمها في الظروف الاعتيادية.

شارك الخبر: