جدل تعديل الدستور العراقي: اتهامات بالرئاسات والمحاصصة وتوريث السلطة


هذا الخبر بعنوان "رئاسات ومحاصصة وتوريث.. اتهامات تلاحق الطبقة السياسية مع تصاعد دعوات تعديل الدستور!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد الجدل الدائر حول تعديل الدستور العراقي فتح النقاش حول الإشكاليات المتجذرة في النظام السياسي، وآليات تشكيل الحكومات، وتكريس المحاصصة الطائفية والحزبية في مفاصل الدولة. وفي هذا السياق، أبدى عضو لجنة كتابة الدستور، ضياء الشكرجي، تأييده لمراجعة النصوص الدستورية، لكنه تحفظ على إجرائها في ظل التركيبة السياسية الحالية. من جهته، دعا المحامي أمير الدعمي إلى إشراك الخبراء والأكاديميين في عملية التعديل تحت إشراف قضائي، محذراً من استمرار توظيف الدستور لخدمة مصالح الأحزاب.
وأكد الشكرجي أن عدداً من النصوص الدستورية أثارت اعتراضات خلال عملية الكتابة عام 2005، خاصة فيما يتعلق بالمبالغة في أسلمة الدستور وإضفاء الصبغة الطائفية عليه، مشيراً إلى وجود تناقضات بين بعض مواده. وأوضح أن مواقفه الحالية قد تختلف عن بعض آرائه السابقة، لكنه كان يعترض منذ البداية على تضمين شروط إسلاموية تتعارض مع مواد أخرى، وأنه تعرض لمنع من الكلام وتوزيع أوراقه خلال المرحلة الأخيرة من الكتابة.
وأضاف الشكرجي أن مرور أكثر من عقدين على إقرار الدستور يستدعي مراجعة التجربة السياسية، مؤيداً دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى تعديل الدستور، لكنه اعتبرها متأخرة. ولفت إلى أن آلية تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة تحولت إلى ممارسة تقوم على التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات، على عكس التجارب الديمقراطية الراسخة التي تعتمد تكليف مرشح الكتلة الفائزة مباشرة. واعتبر أن التفسير المعتمد في العراق أضعف دلالة النتائج الانتخابية وأتاح للقوى الخاسرة المشاركة في تشكيل الكتلة الأكبر.
وأشار الشكرجي إلى أن إشكاليات النظام السياسي لا تقتصر على تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى انتخاب رئيس الجمهورية. ودعا إلى الفصل بين موعد الانتخابات البرلمانية وانتخاب الرئيس، عبر تحديد مدة رئاسية مختلفة عن الدورة النيابية، لمنع توقف الاستحقاقات السياسية بانتظار التوافق على المرشح. وانتقد اشتراط حصول مرشح رئاسة الجمهورية على ثلثي أصوات مجلس النواب في الجولة الأولى، متسائلاً عن جدوى هذا التعقيد مقارنة باعتماد الأغلبية المطلقة منذ البداية.
في المقابل، قال المحامي والخبير القانوني أمير الدعمي إن دعوة زيدان لمراجعة الدستور ليست جديدة، وأنه حذر مراراً من الغموض والتناقضات التي تضمنتها بعض مواده، والتي أفضت إلى تفسيرات تأثرت بالتجاذبات السياسية. وأضاف أن الدستور ليس سيئاً بالمطلق، لكن بعض فقراته صيغت بطريقة تسمح بتفسيرات متعددة، وأن التدخلات السياسية في تفسير النصوص الدستورية أسهمت في تعميق الأزمة منذ عام 2010.
ورأى الدعمي أن القضاء يمثل إحدى الركائز الأساسية لاستمرار العملية السياسية، معتبراً أن دعوة زيدان للتعديل تأتي نتيجة الأزمات المتكررة التي واجهتها البلاد بعد الانتخابات، وما رافقها من تعثر في تشكيل الحكومات. وانتقد اشتراط أغلبية الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، وما ترتب عليه من إمكانية تعطيل الاستحقاقات الدستورية. ودعا إلى مراجعة هذه الآلية، وبحث مدى ملاءمة النظام البرلماني للتجربة العراقية، وإمكانية الانتقال إلى نظام شبه رئاسي يمنح المواطنين دوراً مباشراً في انتخاب رئيس الجمهورية.
وأشار إلى أن الأعراف السياسية كرست توزيع المناصب العليا على أساس الانتماء القومي والطائفي (رئيس الجمهورية كردي، ورئيس الوزراء شيعي، ورئيس مجلس النواب سني)، رغم أن الدستور لا ينص على هذا التوزيع، معتبراً أن هذه الممارسات رسخت المحاصصة وأضعفت مبدأ المواطنة.
تعديل الدستور والطبقة السياسية
تحفظ الشكرجي على إجراء التعديلات الدستورية في ظل التركيبة الحالية لمجلس النواب، معتبراً أن القوى السياسية المتنفذة لا تؤمن بمبادئ الدولة المدنية القائمة على المواطنة، بل تتمسك بالمكوناتية والمحاصصة والطائفية السياسية. وأضاف أن تعديل الدستور ينبغي أن ينتظر تشكل برلمان يمتلك نسبة مؤثرة من القوى المدنية المؤمنة بالديمقراطية والمواطنة، محذراً من أن تؤدي التعديلات التي تتولاها القوى الحالية إلى نتائج أسوأ من المشكلات القائمة.
ورأى أن الأزمة تتجاوز الطبقة السياسية إلى البيئة المجتمعية التي أسهمت الانقسامات الحزبية والطائفية والمناطقية في إضعاف هويتها الوطنية. وأشار إلى أن احتجاجات تشرين كشفت عن وجود رفض شعبي واسع للأحزاب المتنفذة، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى مشروع بديل متكامل. ودعا الشكرجي إلى تطبيق قانون الأحزاب، بما يضمن عدم قيام التنظيمات السياسية على أسس طائفية أو قومية تتعارض مع مبدأ المواطنة، وشدد على ضرورة مواجهة الأحزاب التي تمارس العنف أو ترتبط بولاءات خارجية.
من جانبه، اقترح الدعمي إسناد مهمة إعداد التعديلات إلى خبراء وأكاديميين متخصصين في القانون الدستوري، بإشراف مجلس القضاء الأعلى، على أن تُعرض التعديلات على مجلس النواب للتصويت، بما يضمن عدم خضوعها لأهواء القوى السياسية ومصالحها. وأكد أن الأحزاب القائمة لا تمتلك الإرادة اللازمة لإصلاح الدستور، لأن ذلك قد يمس امتيازاتها التي تشكلت منذ عام 2003، لافتاً إلى أن المحاصصة امتدت إلى الوظائف الإدارية داخل الوزارات ومؤسسات الدولة.
النظام السياسي ومخاوف الاستبدال
في ما يتعلق بالنظام الرئاسي، قال الشكرجي إنه لا يعدّه حلاً للأزمة العراقية، لأن تغيير شكل النظام لن يضمن الإصلاح ما دامت الأحزاب نفسها تحتفظ بنفوذها. وحذر من أن توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية قد يخلق مخاطر تتعلق بالاستئثار بالسلطة، مؤكداً أن الأولوية تتمثل في تغيير القوى السياسية وتوفير بدائل ديمقراطية تؤمن بفصل الدين عن السياسة، وتتبنى المواطنة أساساً للعمل السياسي.
واتفق الدعمي مع ضرورة مراجعة النظام السياسي، مفضلاً النظام شبه الرئاسي الذي يتيح انتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان بصورة منفصلة، مع تحديد العلاقة بين السلطات وآليات اختيار رئيس الوزراء. وأشار إلى أن محاولات تعديل الدستور التي أعقبت احتجاجات عام 2019 لم تحقق نتائج ملموسة، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في استحالة التعديل دستورياً، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتنفيذه.
وأضاف أن المادة 126 تتيح مساراً لتعديل الدستور، خلافاً لما يروّج له بعض السياسيين بشأن جمود النص الدستوري، فيما تثير المادة 142 تعقيدات تتعلق بآليات التعديل وإمكانية رفضه في ثلاث محافظات. واختتم الدعمي حديثه بالتأكيد على ضرورة مراجعة ديباجة الدستور أيضاً، معتبراً أنها تتضمن عثرات وثغرات لا تعكس بالقدر الكافي وحدة العراقيين، وتستدعي إعادة النظر بما يعزز الهوية الوطنية ويحد من الانقسامات الطائفية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة