العراق
سياسة

تسريبات تكشف اتفاقاً أميركياً عراقياً حول المنافذ مع إيران.. ومذكرة اعتقال ضد مسؤول في ميسان تثير جدلاً

المدى٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٦ م0 مشاهدة
تسريبات تكشف اتفاقاً أميركياً عراقياً حول المنافذ مع إيران.. ومذكرة اعتقال ضد مسؤول في ميسان تثير جدلاً

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""الشيب" يفجر تمرداً شيعياً على الزيدي.. ومذكرة اعتقال ضد مسؤول بالعصائب هدد الحكومة !" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشير معلومات متداولة إلى موافقة واشنطن على إغلاق بغداد لمنفذ حدودي واحد مع إيران، بدلاً من خمسة، مع استمرار مراقبة أموال الإيرانيين وأمتعتهم القادمين عبر المطارات. جاءت هذه التسريبات بعد أسبوع من إغلاق منفذ الشيب في ميسان دون توضيح رسمي لأسباب اختياره. وفي تطور غير مألوف، هدد رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير، القيادي في حركة عصائب أهل الحق، باللجوء إلى العصيان المدني وقطع المحافظة عن بقية العراق إذا لم تُفتح الطرق المؤدية إلى المنفذ بحلول الخميس المقبل، قبل أن تصدر بحقه مذكرة اعتقال.

وسرعان ما تحول اعتراض محلي على الإغلاق إلى مواجهة سياسية، بعدما اصطدم تحرك الزيدي للتحقيق مع المسؤول بتأييد قوى شيعية لموقف الأخير ومطالبتها بإعادة فتح المنفذ. في هذه الأثناء، كانت بغداد تحاول إقناع واشنطن بأن تشديد الخناق على إيران قد يترك آثاره داخل العراق قبل أن يصل إلى طهران. ووفق المعلومات المتداولة، انطلق الزيدي من حسابات تتعلق بالمصلحة العراقية، إذ إن إغلاق المنافذ سيؤثر في سلاسل توريد الغذاء والتجارة، فضلاً عن الضغوط السياسية التي بدأت تتراكم حول حكومته.

وكان الزيدي قد أغلق الشهر الماضي 3 منافذ من أصل 5 مع إيران، بينها الشيب، قبل أن يسعى إلى تخفيف القيود بالتشاور مع واشنطن، وتحت ضغط إيراني واعتراضات من قوى داخلية. ولا تزال الرواية الرسمية بشأن أسباب اختيار الشيب للإغلاق، دون غيره من المنافذ، غير واضحة. وإذا صحت التسريبات عن التفاهم الجديد، فإن واشنطن ستقبل ببقاء المنافذ الأخرى مفتوحة، مع الإبقاء على رقابتها على حركة الإيرانيين وأموالهم وأمتعتهم عبر المطارات.

وتضمنت وثيقة تفاهم بين بغداد وواشنطن الشهر الماضي السماح بنقل إيرانيين إلى العراق، شرط إخضاع أمتعتهم وأموالهم للتدقيق خشية نقل أسلحة، وإدراج المعلومات المتعلقة بذلك في تقارير تُرفع إلى وزارة الخزانة الأميركية. وكانت بغداد قد منعت دخول الطائرات الإيرانية إلى مطاراتها، من دون إعلان قرار حكومي صريح بذلك، مكتفية بالقول إن شركات أجنبية أوقفت خدماتها بسبب مخاوف من العقوبات. ثم سمحت واشنطن باستثناء مطار النجف، بشروط مشددة تقتصر على الحجاج الدينيين.

وجاءت هذه التطورات بعد يوم واحد من عودة الزيدي من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك، وهو اللقاء الذي حضره رئيس الوزراء العراقي منفرداً، وأثار جدلاً في الداخل العراقي. ومنذ ذلك الحين، بدا الزيدي كأنه يحاول الإمساك بالعصا من المنتصف. فعندما تحدث عن إغلاق المنافذ، حذّر من أن الحصار قد يصيب العراق أكثر مما يصيب إيران، قائلاً إن "الحصار سيكون علينا وليس على إيران". كما نفى أن تكون قرارات إغلاق المطارات قد صدرت عن حكومته، في موقف بدا محاولة للنأي بنفسه عن إجراءات أثارت غضب قوى شيعية ترى فيها استجابة للضغوط الأميركية.

الشيب.. منفذ تتقاطع عنده المخدرات والسلاح

لفهم سبب تحول منفذ حدودي إلى مركز أزمة سياسية، لا بد من العودة إلى ميسان قبل أكثر من عقد. في عام 2015، أطلق رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي حملات لما عرف آنذاك بالمدن المنزوعة السلاح. لم تكن تلك الحملات موجهة أساساً إلى الفصائل المسلحة، لكن مسؤولين في ميسان، التي شملتها الخطة، قالوا إنها فشلت، قبل أن تتعثر بعدها 4 حملات أخرى. ومنذ ذلك الوقت، ظلت المحافظة ساحة لصراعات تتداخل فيها تجارة المخدرات مع السيطرة على الطرق التجارية والمنافذ الحدودية.

ويتحدث مسؤولون محليون عن نشاط واسع لتجارة المخدرات، وعن تنافس على منفذ الشيب باعتباره أحد المداخل الرئيسية إلى العراق من جهة إيران. وفي هذا السياق، أثار عبد الأمير العتيبان، مستشار الزيدي، أزمة عندما اتهم إيران بإدخال المخدرات إلى العراق، وهو تصريح جاء في وقت كانت فيه الحكومة تشدد إجراءاتها على الحدود، بينما كانت القوى القريبة من إيران تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من حملة أوسع تستهدف طهران وحلفاءها.

وتنعكس هذه الصراعات بميسان أحياناً في اشتباكات محلية تستخدم فيها أسلحة ثقيلة، وتؤدي إلى إغلاق مناطق سكنية. لكن خلف المواجهات، وفق روايات مسؤولين ومصادر في ميسان تحدثت إلى (المدى)، توجد معارك على تجارة المخدرات وطرق النقل والنفوذ المسلح. وترجح تلك المصادر أن الشيب اختير لأنه منفذ تتداخل فيه مسارات تهريب المخدرات والأسلحة مع نشاط جماعات مسلحة. وتزداد حساسية هذه المسارات في فترات التوتر بين إيران والولايات المتحدة، حين تصبح الحدود العراقية جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي.

وكان بغداد قد كشفت في ايلول الماضي، للمرة الأولى أن هجوماً استهدف منشآت نفطية سعودية انطلق من المنطقة. وكان اختيار موقع في ميسان لتنفيذ هجوم على السعودية قد بدا غريباً، بالنظر إلى بعد المحافظة عن المملكة، مقارنة بمناطق صحراوية في النجف أو المناطق المحاذية للحدود السعودية، التي اعتادت أن تكون منطلقاً لمثل هذه الهجمات. وخلال الشهر الماضي، كثفت الأجهزة الاستخبارية مراقبتها للمنفذ، وسط مخاوف من أن تعاود الفصائل المسلحة، أو ما يُعرف بـ"فصائل الظل»، التحرك منه، خصوصاً مع تجدد التوتر بين واشنطن وطهران. ويقول أثيل النجيفي، محافظ نينوى السابق، لت(المدى) إن إغلاق الشيب يثير أسئلة تتطلب إجابات قبل اتخاذ إجراءات حكومية صارمة. ويرى النجيفي أن تهديد ميسان قد يقرأ بوصفه تمرداً على قرارات الدولة، أو بوصفه مؤشراً إلى ارتباط المحافظة بمصالح واسعة تمر عبر الشيب، مشدداً على أن "لكل حالة معالجتها المختلفة". ويخلص إلى أن بغداد تحتاج إلى التشاور مع المحافظات في تفاصيل من هذا النوع قبل اللجوء إلى إجراءات صارمة، في إشارة إلى أن قراراً حدودياً قد يتحول، إذا لم تُحسب تداعياته، إلى أزمة تتجاوز المنفذ نفسه.

من إغلاق الحدود إلى تهديد العصيان

على الرغم من تأكيد الزيدي أن إغلاق المنافذ لا يخدم العراق، لم تقدم بغداد تفسيراً واضحاً لاختيار الشيب. وفي الأسبوع الماضي، وبعد بدء الإغلاق للمرة الثانية، قالت هيئة المنافذ الحدودية إن رئيس الوزراء وجه بإدخال الشاحنات المتكدسة من الجانب الإيراني، وكشفت عن خطط لتطوير المنفذ. لكن تسلسل الأحداث زاد الشكوك في دوافع الحكومة. فقد جاء الإغلاق السابق بعد عودة الزيدي من لقاء ترامب، وتزامن مع اتهام مستشاره إيران بإدخال المخدرات، وتصريحات لوزارة الخارجية عن خسائر تبلغ 60 مليار دينار نتيجة إغلاق إيران مضيق هرمز.

وفي ظل هذا التداخل بين الضغوط الأميركية والحسابات الاقتصادية والصراع السياسي الداخلي، خرج مصطفى دعير إلى الشارع، في خطوة غير مسبوقة لرئيس مجلس محافظة. وخلال تظاهرة مع سائقي الشاحنات، هدد دعير باللجوء إلى العصيان المدني وقطع ميسان عن بقية العراق إذا لم تُفتح الطرق في منفذ الشيب بحلول الخميس المقبل. وتساءل: "لماذا تذبح ميسان إذا أرادت أميركا فداءً؟". لم يتأخر رد الزيدي، الذي وجه بالتحقيق مع دعير. لكن كتلة بدر رفضت الخطوة، بحسب ما نقل عن موقفها، وطالبت بفتح المنفذ. كما اعترض النائب عن كتلة إشراقة كانون، محمد جاسم الخفاجي، على إجراء التحقيق، معتبراً أن رئيس مجلس الوزراء لا يملك صلاحية التحقيق مع سلطة رقابية منتخبة. وفي تطور لاحق، أصدرت محكمة تحقيق الكرخ الثالثة، يوم الأحد، مذكرة قبض بحق رئيس مجلس محافظة ميسان.

ولم تكن الاعتراضات على الإجراءات الحدودية قد بدأت مع دعير. فقبل تهديده بيوم واحد، أصدرت مجموعة تطلق على نفسها اسم "تنسيقية المقاومة" بياناً اتهمت فيه الولايات المتحدة بالتدخل في القرارات العراقية المتعلقة بإغلاق المطارات والمنافذ مع إيران، معتبرة أن هذه الإجراءات جاءت استجابة لضغوط وإملاءات أميركية. وكانت منظمة بدر قد خرجت إلى الشارع في بغداد للاحتجاج على قرار إغلاق المطارات والمطالبة بالتراجع عنه، رغم أن وزير النقل، وهب الحسني، ينتمي إلى الكتلة السياسية نفسها. كما هددت فصائل بإغلاق المنافذ الحدودية مع الدول التي وصفتها بالمشاركة في "الحصار الجوي" المفروض على إيران.

إطار منقسم.. وحكومة بين ضغطين

الإطار التنسيقي بدوره لا يظهر كتلة واحدة في التعامل مع العقوبات الأميركية على إيران. فداخل التحالف، وفق محللين، يوجد تيار يمكن وصفه بالبراغماتي، يضم الزيدي ومجموعة من القوى التي تخشى أن يؤدي تحدي واشنطن إلى إدخال العراق في مواجهة اقتصادية وسياسية لا يستطيع تحملها. وفي المقابل، ترى فصائل أكثر تشدداً أن الالتزام بالقيود الأميركية يعني المشاركة في حصار إيران، وأن التراجع أمامها قد يفتح الباب أمام استهدافها لاحقاً.

ويقول باسل حسين، الباحث في الشأن السياسي، إن "الإطار التنسيقي نفسه غير موحد في هذا الموقف"، موضحاً أن "هناك تياراً داخل الإطار يدعم الالتزام بالعقوبات تجنباً لعقوبات أميركية، وتياراً آخر أكثر لا سيما الفصائل الرافضة لنزع سلاحها، يعد الالتزام بالعقوبات شراكة في الحصار على إيران ويريد كسره". وتزداد صعوبة موقف الحكومة مع تصاعد الانتقادات الإيرانية. فقد وجه مسؤولون إيرانيون بارزون، بينهم علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء العراقي وصلت إلى اتهامه بالعمالة لواشنطن. كما حذر المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي دول الجوار، ومن بينها العراق، من الانصياع للقيود الأميركية الجديدة المفروضة على شركات الطيران الإيرانية.

وبالنسبة إلى حسين، فان الحكومة إذا مضت في تنفيذ القيود الأميركية، فإنها تخاطر بتوسيع الخلاف مع الفصائل التي ترفض التضييق على إيران، وقد تواجه احتجاجات أو خطوات تعطيل في المحافظات. وإذا تراجعت، فإنها تخاطر بتعريض الاقتصاد العراقي لعقوبات، وبإضعاف قدرتها على إقناع واشنطن بأنها قادرة على ضبط حركة الأموال والبضائع والأشخاص عبر الحدود. وتأتي هذه الأزمة في وقت تتحدث فيه أوساط سياسية عن احتمال حدوث تغييرات في الإدارة الأميركية في طريقة تقييمها للوضع العراقي، بالتزامن مع مؤشرات إلى تراجع محتمل في دور توم باراك، الذي يعد أحد أبرز الداعمين للزيدي.

شارك الخبر: