تناقضات مالية: الحكومة تدعو للادخار وتزيد التعيينات.. هل ينجح الإصلاح؟


هذا الخبر بعنوان "الحكومة تطلب الادخار وتتوسع بالتعيينات.. تناقض يربك الإصلاح المالي!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الحكومة العراقية نحو رسم هوية اقتصادية جديدة تمنح القطاع الخاص دوراً أوسع في الإنتاج والتشغيل، وتسعى لتقليص الاعتماد على النفط. ومع ذلك، تثير زيادة التعيينات واستحداث المؤسسات الحكومية تساؤلات حول قدرة الدولة على ضبط الإنفاق وتحويل خطط الإصلاح إلى نتائج ملموسة. يتقاطع المشروع الحكومي مع ثلاثة ملفات رئيسة: توسيع دور السوق والقطاع الخاص، معالجة الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، وإعادة هيكلة الإنفاق العام الذي تستحوذ النفقات التشغيلية على الجزء الأكبر منه.
رأسمالية بضمانات اجتماعية
يشير المستشار الاقتصادي والمالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، إلى وجود توجه حكومي لرسم هوية اقتصادية رأسمالية جديدة للعراق، بهدف الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي يقوم على تنويع مصادر الدخل وتشجيع الاستثمار. ويرى صالح أن تمكين القطاع الخاص من خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج والصادرات يمثل مساراً ضرورياً لتحقيق التنمية المستدامة. تقوم فلسفة المشروع على تحويل حرية السوق إلى أداة لخلق الثروة، بالتزامن مع اضطلاع الدولة بدور الضامن للمنافسة العادلة والخدمات والحقوق. وأضاف أن الإيرادات النفطية ينبغي ألا تبقى مصدراً دائماً للريع والإنفاق الجاري، بل تتحول إلى رافعة لتمويل بناء اقتصاد متنوع وقادر على الاستمرار. وأكد أن نجاح النموذج الجديد لا يُقاس باسمه أو توصيفه، وإنما بقدرته على زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على النفط وضمان وصول عائدات التنمية إلى مختلف فئات المجتمع.
خيار السوق الاجتماعي
يرى صالح أن اقتصاد السوق الاجتماعي يمثل خياراً يستحق الدراسة والتطوير، لكونه يجمع بين حرية المبادرة والكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، دون أن تتحول الدولة إلى مدير مباشر لجميع الأنشطة، أو يُترك المجتمع بمفرده لمواجهة مخاطر السوق. وشدد على أن الثروة النفطية يجب أن تكون جسراً للانتقال نحو الاقتصاد المنتج، فيما يصبح القطاع الخاص شريكاً في الإنتاج والتشغيل والتصدير. وبحسب صالح، فإن دور الدولة ينبغي أن يُقاس بقدرتها على بناء المؤسسات وتنظيم النشاط الاقتصادي وتحقيق المصلحة العامة، وليس باتساع ملكيتها للمشاريع أو ارتفاع حجم إنفاقها. ولخص النموذج المطلوب بالقول إن العراق لا يحتاج إلى دولة تقصي السوق أو سوق تقصي الدولة، وإنما إلى دولة تنظم النشاط الاقتصادي، وسوق تحفز الإنتاج، ونظام اجتماعي يحمي كرامة الإنسان.
تضخم النفقات التشغيلية
في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي جليل اللامي أن السياسة المالية العراقية تواجه تحديات متزايدة بسبب التوسع في التعيينات واستحداث المؤسسات الحكومية، بالتزامن مع دعوات رسمية للمواطنين إلى ترشيد الاستهلاك وزيادة الادخار. وقال اللامي إن البيانات المالية المنشورة حتى نهاية تموز 2026 أظهرت بلوغ الإنفاق الحكومي نحو 68.3 تريليون دينار، مقابل إيرادات قدرها 39.1 تريليون دينار، بفارق حسابي يبلغ 29.2 تريليون دينار. وأضاف أن النفقات التشغيلية بلغت نحو 65.4 تريليون دينار، مقابل 2.8 تريليون دينار للنفقات الاستثمارية، ما يعني استحواذ الإنفاق الجاري على قرابة 95.8% من إجمالي الإنفاق الفعلي خلال المدة المذكورة. وأوضح أن المشكلة لا تكمن في التعيينات الضرورية داخل قطاعات الصحة والتعليم والخدمات، وإنما في التوسع غير المدروس بالنفقات الثابتة على حساب الاستثمار والإنتاج.
كلفة التعيينات الجديدة
قدّر اللامي أن تعيين 100 ألف موظف بمتوسط راتب شهري قدره 750 ألف دينار سيكلف الدولة نحو 900 مليار دينار سنوياً، فيما ترتفع الكلفة إلى نحو 1.8 تريليون دينار عند تعيين 200 ألف موظف. وبيّن أن هذه الحسابات افتراضية ولا تشمل المخصصات والتكاليف التقاعدية والمصروفات الأخرى المرتبطة بالتوظيف. وتأتي هذه التحذيرات بعد إعلان الحكومة استحداث أكثر من 120 ألف درجة وظيفية بصفة عقد ضمن موازنة 2027، إلى جانب التوجه لتثبيت المتعاقدين والأجراء على الملاك الدائم، رغم الضغوط المالية واتساع النفقات التشغيلية. ودعا اللامي إلى اعتماد موازنة البرامج والأداء، ومراجعة النفقات الإدارية والامتيازات، وربط استحداث المؤسسات والدرجات الوظيفية بمعايير الحاجة الفعلية والجدوى الاقتصادية. وأكد أن ترشيد الإنفاق ينبغي أن يبدأ من مؤسسات الدولة قبل مطالبة المواطنين بالادخار، محذراً من أن استمرار تضخم النفقات التشغيلية، بالتزامن مع محدودية الإيرادات غير النفطية، يزيد تعرض الموازنة لتقلبات أسعار النفط ويحد من تمويل المشاريع.
تحذيرات صندوق النقد
نقل اللامي عن تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي لعام 2025 تحذيره من ارتفاع فاتورة الرواتب والتقاعد واتساع العجز المالي، مع توقع وصول العجز إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026. وأشار إلى أن تقديرات سابقة للصندوق بشأن عام 2027 افترضت بلوغ الإنفاق الحكومي نحو 43.4% من الناتج المحلي الإجمالي، موزعاً بين 38.4% للنفقات الجارية و4.9% للنفقات الرأسمالية. وأوضح أن تطبيق هذه النسب افتراضياً على ناتج محلي قدره 300 تريليون دينار يعني إنفاقاً حكومياً بنحو 130 تريليون دينار، بينها قرابة 115 تريليوناً للنفقات الجارية و15 تريليوناً للرأسمالية. وشدد اللامي على أن هذه الأرقام تمثل حسابات وتقديرات سابقة، وليست تخصيصات نهائية أعلنتها الحكومة ضمن موازنة 2027.
لا بديل عن تنويع الدخل
من جانبه، يقول الباحث الاقتصادي عامر الجواهري، إن العراق لا يمتلك خياراً سوى اتخاذ خطوات جدية لتنويع مصادر دخله والتحول نحو الاقتصاد الإنتاجي في القطاعات المختلفة. وأشار إلى امتلاك البلاد مقومات سياحية تاريخية وتراثية وطبيعية ودينية، يمكن استثمارها ضمن مسار التنويع الاقتصادي، إلى جانب القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية. وأكد أن مسؤولية تنفيذ هذا التوجه لا تقع على الحكومة الاتحادية وحدها، وإنما تشمل حكومة إقليم كردستان والحكومات المحلية في المحافظات، ضمن استراتيجية اقتصادية شاملة لعموم البلاد. وحذر من أن غياب هذه الاستراتيجية سيبقي العراق في حالة تراجع ويعرضه لأزمات اقتصادية متتابعة.
الدولار ليس الحل الوحيد
وفي ما يتعلق بزيادة شحنات الدولار النقدي إلى العراق، يرى الجواهري أن الخطوة يمكن أن تمنح البنك المركزي مرونة أكبر في إدارة السيولة الأجنبية وتنفيذ سياسته النقدية، وقد تساعد في تقليص الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي. لكنه أكد أن زيادة الشحنات لا تمثل حلاً كاملاً، موضحاً أن المعالجة الأساسية ترتبط بتسهيل التحويلات الرسمية لمختلف الشرائح، وتقليل حاجة المستوردين وأصحاب الأعمال إلى شراء الدولار من السوق الموازية. وبين أن استمرار التعقيدات التي تواجه التحويلات الخارجية يبقي الطلب مرتفعاً خارج النظام المصرفي، بصرف النظر عن حجم العملة النقدية التي تدخل البلاد.
تمكين القطاع الخاص
يربط الجواهري نجاح التحول الاقتصادي بتمكين القطاع الخاص والمستثمرين، وتفعيل المشاريع المتوقفة وغير المنفذة لتبدأ العمل والإنتاج. وأوضح أن زيادة الإنتاج المحلي ستؤدي تدريجياً إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد، لكنه أشار إلى أن هذا التحول سيكون بطيئاً ويتطلب وقتاً وإدارة مهنية وإرادة حكومية مستقرة. وأكد أن الإجراءات الإصلاحية لا تمثل خطراً بحد ذاتها، وإنما يكمن الخطر الحقيقي في تأخير الإصلاحات المؤسسية والإدارية واستمرار منهجية الإدارة الحالية. وأضاف أن تمكين القطاع الخاص يرتبط بتوفير البنية التحتية والخدمات والائتمان، وتبسيط الإجراءات وتقليل المعوقات التي تواجه المستثمرين وأصحاب المشاريع. وحذر من أن استمرار الروتين والبيروقراطية والفساد يؤدي إلى تراكم المشكلات أمام القطاع الخاص، ويضعف قدرته على خلق فرص العمل والمساهمة في زيادة الإنتاج. وبين مشروع يمنح السوق والقطاع الخاص دوراً أكبر، ومساعٍ لزيادة تدفقات الدولار، وخطط معلنة لضبط الإنفاق، يظل الاختبار الحقيقي متمثلاً بقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين تحرير النشاط الاقتصادي والحماية الاجتماعية، وبين توفير الوظائف ومنع تضخم الموازنة التشغيلية. ولا يرتبط نجاح الهوية الاقتصادية الجديدة بحجم الدولار الداخل إلى البلاد أو بالتسمية التي سيحملها النموذج، وإنما بقدرتها على تحويل الإيرادات النفطية والسيولة المتاحة إلى إنتاج واستثمارات وفرص عمل ونتائج يلمسها المواطن.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد