تضارب حول وجود الحوثيين في العراق: بين قرارات الإغلاق ونفي رسمي للمكاتب


هذا الخبر بعنوان "مكاتب غير موجودة وقرارات بالإغلاق.. تضارب بشأن الحوثيين في العراق!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد ملف الوجود الحوثي في العراق إلى الواجهة، وسط تقارير تتحدث عن توجه حكومي لتقييد تحركات ممثلي الجماعة وأنشطتهم السياسية والإعلامية، مقابل نفي رسمي وأمني لوجود مكاتب أو مقرات تابعة لها داخل البلاد. وتتضمن الإجراءات المتداولة تحديد أماكن إقامة الشخصيات المرتبطة بالحوثيين، وإلزامها بالإبلاغ المسبق عن تحركاتها، ومنع عقد الاجتماعات والفعاليات السياسية والإعلامية خارج الأطر التي توافق عليها الدولة، فضلاً عن إبعاد أي شخص موجود بصورة غير قانونية. لكن الحكومة العراقية لم تعلن، في بياناتها الرسمية المنشورة، اعتماد هذه الإجراءات، كما نفى الناطق باسمها حيدر العبودي وجود مقرات للحوثيين، معتبراً أن الموضوع لا يستدعي إصدار قرار بشأن أمر غير موجود أساساً. ويأتي تجدد الجدل بعد زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى السعودية، وسط تصاعد هجمات الحوثيين على منشآت نفطية ومدنية في المملكة، واتهامات سعودية بانطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي العراقية.
قال المحلل السياسي علي الحبيب إن تقييد نشاط ممثلي الحوثيين، في حال تطبيقه، يمكن قراءته ضمن مساعي الحكومة لتأكيد السيادة ومنع استخدام العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وأضاف الحبيب، في حديث تابعته (المدى)، أن العراق يحتاج إلى سياسة واضحة تميز بين العلاقات والاتصالات الدبلوماسية، والسماح لجهة خارجية باستخدام أراضيه لممارسة أنشطة سياسية أو إعلامية أو أمنية قد تجعله طرفاً في صراعات لا تخدم مصالحه. وأوضح أن الإجراءات المتداولة تشمل تنظيم إقامة ممثلي الجماعة، وتحديد أماكن وجودهم، وإلزامهم بإبلاغ السلطات عن تحركاتهم، ومنعهم من عقد الاجتماعات والمؤتمرات والفعاليات من دون موافقة الدولة. ورأى الحبيب أن هذه الخطوات ينبغي أن تتزامن مع تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي ارتباط قد يسمح بتنفيذ عمليات عسكرية أو إطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي العراقية. وأشار إلى أن ضبط نشاط الشخصيات المرتبطة بالحوثيين وإغلاق أي مكاتب تعمل من دون غطاء قانوني يمكن أن يساعد في حماية علاقات العراق الخارجية، ولا سيما مع دول الجوار، وإبعاده عن سياسة المحاور.
من جانبه، قال الباحث السياسي ياسين عزيز إن التحركات الحكومية جاءت بعد إقرار بغداد بانطلاق هجوم استهدف خطاً نفطياً سعودياً من الأراضي العراقية، وتزايد المخاوف من انجرار البلاد إلى الصراع الإقليمي. وأضاف عزيز، في حديث تابعته (المدى)، أن الحكومة بدأت اتخاذ إجراءات لتقييد تحركات شخصيات مرتبطة بالحوثيين موجودة في العراق منذ سنوات، وتحظى بعلاقات مع إيران وأطراف عراقية مقربة منها. وأكد أن تطبيق هذه الخطوات لن يكون سهلاً، نظراً إلى ما تتمتع به الجماعة من دعم مادي وسياسي من جهات نافذة داخل العراق، بحسب تقديره. وأوضح أن الحكومة تحاول إقناع الأطراف الداعمة للحوثيين بأن السماح لهم بالتحرك بصورة مفتوحة وغير منضبطة قد يحرج الدولة أمام جيرانها، ويضع العراق في مواجهة تداعيات صراعات لا يمتلك مصلحة في المشاركة فيها. ورأى عزيز أن وضع آلية فعلية لمراقبة النشاط الحوثي قد يسهم في تحقيق توازن يمنع توريط العراق في الصراعات الإقليمية، لكنه حذر من تحول الإجراءات إلى قرارات شكلية يصعب تنفيذها على أرض الواقع.
في المقابل، نفى الباحث الأمني عدنان الكناني صحة المعلومات المتعلقة بوجود مكاتب رسمية تابعة للحوثيين داخل الأراضي العراقية. وقال الكناني، في حديث تابعته (المدى)، إن الروايات التي تتحدث عن مقرات للجماعة أو توفير فصائل عراقية ملاذاً آمناً لعناصرها «غير دقيقة»، ولا تستند إلى معطيات أمنية مثبتة. وأضاف أن بعض التقارير تشير إلى احتمال وجود عناصر حوثية داخل مواقع مرتبطة بفصائل عراقية، أو إدارة مكاتب مشتركة بالتنسيق بين الطرفين، إلا أن عمليات التدقيق التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية لم تثبت ذلك. وأشار إلى أن تقارير جهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات والجهات الاستخبارية لم تسجل وجود مكاتب رسمية للحوثيين، سواء بصورة مستقلة أو تحت مظلة فصائل مسلحة. ولا ينفي هذا التقييم، وفق الكناني، احتمال وجود زيارات أو اتصالات وعلاقات بين شخصيات حوثية وبعض الأطراف العراقية، لكنه شدد على أن هذه العلاقات لا تعني وجود تشكيلات عسكرية أو مقرات رسمية للجماعة داخل العراق.
كانت قناة «الحرة» قد نقلت، الأربعاء، عن مصادر عراقية حكومية قولها إن رئيس الوزراء أصدر قراراً بإغلاق مكاتب الحوثيين في البلاد، وإبعاد أي شخصية تابعة للجماعة تقيم بصورة غير قانونية وتنشط بالتنسيق مع فصائل مسلحة. لكن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي نفى وجود مقرات مؤشرة للحوثيين، مؤكداً أن الحكومة لا تحتاج إلى إصدار قرار بإغلاق جهات غير موجودة أساساً. وقال العبودي إن بعض الأطراف تتمسك بروايات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما لا تمتلك الأجهزة الرسمية مؤشرات تثبت وجود مكاتب للجماعة. وأكد أن وجود جماعات مسلحة أجنبية داخل العراق يتعارض مع المبادئ الدستورية، وأن بغداد لن تسمح باستخدام أراضيها للاعتداء على دول الجوار أو احتضان جهة تشارك في نزاع إقليمي. ويطرح التضارب بين رواية المصادر التي تحدثت عن قرار بالإغلاق والنفي الرسمي تساؤلات بشأن طبيعة الوجود الحوثي: هل يتعلق بمكاتب معلنة، أم بممثلين واتصالات سياسية، أم بشخصيات تتحرك داخل مقرات تابعة لجهات عراقية؟
حذر الكناني من أن ثبوت وجود مكاتب أو منشآت مرتبطة بالحوثيين قد يسبب مشكلات أمنية ويشكل تهديداً للأمن القومي العراقي، ولا سيما إذا ارتبطت تلك المواقع بأنشطة عسكرية أو استخبارية تتداخل مع الصراع الإقليمي. وقال، في حديث تابعته (المدى)، إن السعودية تمتلك شبكة من العلاقات والتحالفات الأمنية والإقليمية والدولية، ما يمنحها القدرة على حشد مواقف واتخاذ إجراءات ضد الجهات التي ترى أنها تهدد أمنها. وأضاف أن أي تصعيد بين السعودية والحوثيين، أو توجيه اتهامات للعراق بالسماح للجماعة بالعمل من أراضيه، يمكن أن ينعكس مباشرة على الأمن العراقي وعلاقاته بدول المنطقة. وشدد على أن الدستور يمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لأي اعتداء على دولة أخرى، سواء جرى ذلك من خلال نشاط عسكري مباشر أو دعم لوجستي وأمني.
تعود قضية نشاط الحوثيين في العراق إلى سنوات سابقة، مع تقارير تحدثت عن وجود ممثلية للجماعة في بغداد، بالتوازي مع استمرار عمل سفارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وأشارت تقارير سابقة إلى مطالبات دبلوماسية أميركية بإغلاق مكتب قيل إنه يتولى التنسيق بين الحوثيين وبعض فصائل الحشد الشعبي، فيما تحدثت مصادر أمنية عن مواقع مشتركة تشمل أنشطة مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات، كما لم تعلن الأجهزة الأمنية العراقية نتائج تحقيقات تثبت وجود تلك المواقع أو طبيعة الأنشطة التي تُمارس فيها. وفي آذار 2025، نفت الحكومة العراقية وجود نشاط حوثي منظم في بغداد، بعد تقارير إعلامية تحدثت عن إغلاق مكاتب تابعة للجماعة في العاصمة. واستمر الجدل بشأن ما إذا كان الوجود الحوثي يقتصر على الاتصالات السياسية والزيارات، أم يمتد إلى التنسيق الأمني والعسكري مع فصائل عراقية.
عادت القضية إلى الواجهة في 16 أيلول 2026، عندما دعا الأمين العام للمشروع الوطني العراقي جمال الضاري الحكومة إلى إغلاق مكاتب الحوثيين، عقب اتهام السعودية للجماعة باستهداف مكة المكرمة بطائرة مسيّرة. وطالب الضاري بإنهاء وجود ممثلي الجماعة على الأراضي العراقية واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، معتبراً أن استهداف الأراضي السعودية يمثل تهديداً لا يمكن تجاهله. وفي المقابل، رأت أطراف سياسية أن وجود ممثلين سياسيين للحوثيين لا يخالف القانون ما دام نشاطهم لا يحمل طابعاً عسكرياً أو يشكل تهديداً للأمن العراقي ودول الجوار.
يرى محللون أن التحدي الأكبر أمام الحكومة لا يتعلق بإغلاق مكتب معلن، وإنما بفصل أي علاقات تنظيمية أو عملياتية بين الحوثيين والفصائل المسلحة العراقية. ويقول الحبيب، في حديث تابعته (المدى)، إن نجاح الإجراءات يتطلب وضع هذا الملف تحت السيطرة المباشرة للدولة، بالتزامن مع ضبط السلاح والنشاط العسكري خارج المؤسسات الرسمية. أما الكناني، فرفض الحديث عن تقديم دعم عسكري منظم للحوثيين داخل العراق، لكنه لم يستبعد وجود زيارات أو علاقات سياسية وشخصية مع بعض الأطراف العراقية. وأكد أن الاتصالات، إن وجدت، لا تكفي لإثبات وجود تشكيلات مسلحة تابعة للجماعة، وأن الانتقال من فرضية العلاقات إلى اتهام جهات محددة بتقديم دعم عسكري يتطلب أدلة وتحقيقات رسمية.
استشهد الكناني بملف جماعات المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة شمالي العراق، موضحاً أن وجود جهة سياسية معارضة بصورة معلنة لا يمنحها الحق في امتلاك السلاح أو إقامة المعسكرات وممارسة نشاط عسكري عبر الحدود. وأضاف أن الحكومة تعمل مع إيران من خلال لجنة مشتركة لمعالجة وجود الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة داخل إقليم كردستان، بما ينسجم مع الدستور والاتفاقات الأمنية. ويرى أن المبدأ نفسه ينبغي أن ينطبق على أي جماعة أجنبية موجودة داخل العراق، إذ يمكن السماح بالنشاط السياسي ضمن القانون، لكن لا يجوز امتلاك الأسلحة أو تنفيذ عمليات تهدد دولة أخرى.
تأتي الأنباء بشأن القيود الجديدة بعد زيارة أجراها الزيدي إلى السعودية، الأسبوع الماضي، في ظل توترات أعقبت هجمات حوثية على منشآت نفطية ومدنية داخل المملكة. كما نقلت شبكة «الشرق الأوسط للإرسال» الأميركية عن مصدر أمني سعودي قوله إن المملكة اعترضت خلال عشرين يوماً أربع طائرات مسيّرة على الأقل انطلقت من الأراضي العراقية نحو مواقع حيوية. ولم يحدد المصدر الجهة التي أطلقت المسيّرات، كما لم تنشر الشبكة أدلة فنية تؤكد مساراتها أو مناطق انطلاقها، فيما لم تصدر الحكومة العراقية تعليقاً رسمياً على التقرير حتى وقت نشره. وكانت بغداد قد أقرت، في أيلول الماضي، بانطلاق هجوم استهدف خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب» من داخل محافظة ميسان، واتخذت إجراءات أمنية وإدارية بحق مسؤولين في المحافظة. وجدد الزيدي، خلال لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تأكيده أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه منطلقاً للاعتداء على المملكة أو دول الجوار.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل