العراق
سياسة

الشعبوية العابرة للقارات: كيف تقوض السلطة وتستنزف كرامة الشعوب؟

بغداد اليوم١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٠ م1 مشاهدة
الشعبوية العابرة للقارات: كيف تقوض السلطة وتستنزف كرامة الشعوب؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عاصفة الشعبوية وتآكل الشرعية.. بين استغلال السلطة وكرامة الشعوب » وكالة بغداد اليوم الاخبارية" نشر أولاً على موقع بغداد اليوم وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُصر الأدبيات السياسية التقليدية على اعتبار الخطابات الراديكالية للشعبويين مجرد أدوات لحشد الناخبين. لكن التحولات الأخيرة في المشهدين الأمريكي والأوروبي تنفي هذه الفرضية البسيطة. فالخطابات التي تُحمّل الهجرة والتنوع الثقافي مسؤولية الفشل البنيوي للمجتمعات الغربية، وتستهزئ بالرموز والأسماء الدينية المباشرة، لم تعد مجرد تكتيكات انتخابية، بل تحولت إلى عقيدة سياسية عابرة للقارات، تعيد تشكيل الهويات وترسم حدود الانقسام الاجتماعي والسياسي عالميًا. هذا الانقسام الاستراتيجي غير المسبوق يضع دول الشرق الأوسط والجنوب العالمي في مواجهة مع الغرب.

في حين تسعى الحكومات في الشرق الأوسط للتعاطي ببراغماتية حذرة مع الخطابات الشعبوية الغربية، معتبرة إياها سلوكًا سياسيًا محليًا عابرًا يهدف إلى امتصاص الصدمات والحفاظ على مصالح الطاقة والاستقرار الأمني والتوازنات الاقتصادية، يبرز في المقابل غضب هوياتي شعبي يرفض المساومة على المقدسات والرموز. هذا الغضب يُجرّم الصمت أو المهادنة بوصفهما تفريطًا بالكرامة القومية والدينية، ويُشكل شرارة أساسية لاضطرابات داخلية قد تتجاوز حدود الدولة الواحدة.

لتحليل أبعاد هذا التفكيك البنيوي بأسلوب استراتيجي شامل، يقف المشهد الدولي أمام أربعة جوانب رئيسية:

  1. التحويل الاستراتيجي لسلاح الهجرة: يُوظف استهداف الرموز وإشعال ملف الهجرة كتكتيك واعٍ لتهريب الأزمات الاقتصادية الهيكلية، مثل التضخم وتراجع الرعاية الاجتماعية، وتحويلها إلى حرب حضارات متخيلة، مستغلين غضب المواطن الغربي الذي يتدهور مستوى معيشته نحو شماعة المهاجرين.
  2. سلاح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي: تتجاوز خطورة هذا التكتيك الإعلام التقليدي بفعل تقنيات التزييف العميق والمحتوى الموجه بدقة عبر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، مما يُبقي الشعوب في استنفار هوياتي دائم ويُعدم إمكانية الحوار، وينسف عقودًا من ادعاءات نشر القيم الليبرالية.
  3. العزلة المركبة والتهديد الأمني: تتشكل عزلة مركبة للجيل المزدوج الهوية لدى الشباب المسلم والعربي في الغرب، مما يُنذر بتحول هذه الفئات إلى قنابل موقوتة من الاغتراب والغضب الاجتماعي في قلب العواصم الغربية، لعدم امتلاكهم موطنًا بديلاً وشعورهم بالرفض والتصنيف.
  4. الأبعاد الاقتصادية والفكريّة: تمتد آثار هذا التصادم الهوياتي لتضرب عمق المصالح الاستراتيجية للدول. اقتصاديًا، تتسبب بيئة الاحتقان في تعطيل مشاريع الربط والتكامل الإقليمي، وتحول الغضب الشعبي إلى مقاطعة تجارية واقتصادية منظمة، مما يُكبّد الاستثمارات الغربية خسائر مباشرة. فكريًا، ينسف الانغلاق القومي العولمة الفكرية وتتآكل جاذبية الجامعات الغربية لصالح مراكز علمية بديلة في آسيا والشرق الأوسط، حيث يحل الانعزال الأيديولوجي محل التبادل العلمي.

تُسرّع هذه التحولات من إعادة تشكيل التحالفات الدبلوماسية، وتدفع دول الجنوب العالمي نحو التكتلات الشرقية البديلة مثل بريكس بلس، القائمة على السيادة والاحترام المتبادل، مما يُساهم في أفول الهيمنة الأحادية. وتنعكس آثار شحن الهويات عبر الحدود فورًا وبشكل متبادل في مجتمعات الشرق الأوسط، حيث يتحول أي خطاب كراهية أو فعل عنصري في واشنطن أو أوروبا إلى موجات احتجاج ومقاطعة في القاهرة وبغداد وإسطنبول.

تصل هذه الديناميكية إلى أشد مستوياتها خطورة في إنتاج أجيال جديدة ذات هوية محاصرة، تُقوض فكرة المواطنة العالمية لصالح نموذج مشوه يقوم على المواطنة الخائفة أو الهجومية. وللحيلولة دون انزلاق العالم نحو صراع هويات مدمر، يتوجب التحرك عبر مسارين واقعيين ومتكاملين:

  1. المستوى الحكومي والدبلوماسي: يجب أن تُفهم العواصم الغربية بوضوح أن استدامة الشراكات مرتهنة بالاحترام المتبادل لرموز الشعوب وهوياتها، وأن عقالنية الاقتصاد والأمن مرتبطة بالكرامة الوطنية، وأن فصل الاقتصاد عن الكرامة الوطنية أمر مرفوض.
  2. المستوى النخبوي والمجتمعي: يجب الانتقال من ردود الفعل العاطفية والمواجهات غير المنتجة إلى البناء الفكري والمؤسسي الشامل، مع التركيز على تمكين الشباب عبر العلوم والتقنية واقتصاد المعرفة، ليكون الرد الحقيقي على خطابات الاستهزاء قائمًا على التفوق الحضاري والإنجاز الملموس.

إن التاريخ يسجل لحظات فارقة تخسر فيها الحضارات قيمها قبل أن تخسر معاركها. والرهان على أن الخطابات الشعبوية مجرد استثمار سياسي عابر هو رهان ساذج، بعد أن أضحت الكراهية مادة مستدامة وموجهًا أساسيًا للعبة السلطة. وليعلم صناع القرار في واشنطن والعواصم الغربية أن النفط قد يُشترى والعلاقات الأمنية قد تُصاغ بالمصالح الباردة، لكن

شارك الخبر: