الاقتصاد العراقي: من قاع خسائر 2026 إلى قمة توقعات 2027.. مفارقة النمو والهشاشة


هذا الخبر بعنوان "من خسائر 2026 إلى صدارة 2027.. مفارقة الاقتصاد العراقي!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بغداد، العراق - في تناقض لافت، يضع صندوق النقد الدولي الاقتصاد العراقي في مقدمة الاقتصادات العربية نمواً خلال عام 2027، بمعدل قد يصل إلى 19%. لكن هذا التوقع المرتفع يأتي عقب عام 2026 الذي شهد انكماشاً حاداً وتراجعاً بنسبة 53% في الإيرادات النفطية خلال الأشهر السبعة الأولى، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا التعافي ومدى تأثيره على حياة المواطنين.
وفقاً لتقديرات الصندوق، شهد أداء الاقتصادات العربية تحولاً جذرياً بين عامي 2026 و2027. فبعد تعرض الدول المصدرة للنفط لضغوط ناجمة عن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتراجع الصادرات والإمدادات النفطية، يتوقع الصندوق انتعاش معظم الاقتصادات العربية في 2027. هذا الانتعاش يتزامن مع عودة الصادرات النفطية إلى مستوياتها الطبيعية وتحسن الأوضاع الأمنية، على أن يسجل العراق أعلى معدل نمو عربي بنسبة تصل إلى 19%.
ويشير هذا التوقع إلى أن النمو المرتقب يرتبط بشكل كبير باستعادة النشاط النفطي الذي فقده العراق خلال الأزمة، وليس بالضرورة حدوث توسع مماثل في القطاعات الإنتاجية الأخرى كالصناعة والزراعة، أو ارتفاع ملموس في دخول المواطنين بنفس النسبة.
كشفت رئيسة الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، سوزان عبد الله محمد، عن انخفاض إجمالي الإيرادات العامة من حوالي 72 تريليون دينار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 إلى 39.1 تريليون دينار خلال الفترة نفسها من عام 2026، بتراجع بلغ نحو 45.7%. وأوضحت محمد، في تصريحات تابعتها (المدى)، أن بيانات حساب الدولة الاتحادي الصادرة عن وزارة المالية حتى نهاية تموز الماضي أظهرت هبوط الإيرادات النفطية من قرابة 65 تريليون دينار إلى 30.4 تريليوناً، بنسبة انخفاض بلغت 53%.
في المقابل، ارتفعت الإيرادات غير النفطية بنسبة 23.5%، من حوالي 7.1 تريليون دينار إلى قرابة 8.7 تريليونات. إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض الخسارة الكبيرة في الموارد النفطية. وتراجعت حصة النفط من إجمالي الإيرادات العامة من حوالي 90% إلى 78%، مقابل ارتفاع المساهمة النسبية للموارد غير النفطية.
وأكدت محمد أن تعظيم الإيرادات غير النفطية لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستدامة المالية، وذلك عبر تطوير أنظمة الجباية والتحصيل وتعزيز الشفافية والرقابة على الموارد الاتحادية.
يكشف الفارق الكبير بين توقعات نمو 2027 ونتائج 2026 عن هشاشة الاقتصاد العراقي أمام أي اضطراب في تصدير النفط. فالناتج المحلي قادر على تسجيل قفزة كبيرة بمجرد عودة الصادرات، لكنه يبقى معرضاً لانتكاسة جديدة عند انخفاض الأسعار أو توقف مسارات الشحن.
يرى الباحث الاقتصادي جليل اللامي أن إدارة الملف الاقتصادي بعد عام 2003 لم تنجح في رسم علاقة واضحة بين القطاعين العام والخاص، رغم أن المادة 25 من الدستور تنص على إصلاح الاقتصاد وفق أسس حديثة وتشجيع الاستثمار وتنويع مصادر الدخل.
وقال اللامي، في تصريحات تابعتها (المدى)، إن اعتماد العراق على تصدير النفط الخام، بالتزامن مع تراجع نشاط الزراعة والصناعة والتجارة، جعل السوق تعتمد بصورة واسعة على السلع والخدمات المستوردة، حتى في المنتجات التي يمكن تصنيعها محلياً.
وأضاف أن ضعف القطاعات غير النفطية يرتبط بسوء الإدارة والتراخي الوظيفي وغياب البيئة المناسبة لنمو الشركات الوطنية وتوسيع قدراتها الإنتاجية والتنافسية. وتواجه المصانع والمشاريع الزراعية المحلية تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف البنية التحتية، وتذبذب تجهيز الكهرباء، وصعوبة الحصول على التمويل، فضلاً عن المنافسة مع البضائع المستوردة.
من جانبه، أكد رئيس اتحاد رجال الأعمال العراقيين راغب بليبل أن معالجة الاختلالات الاقتصادية لا يمكن حصرها بوزارة أو مؤسسة واحدة، بل تتطلب مراجعة شاملة لسياسات الدولة المتعلقة بالإنتاج والتجارة والاستثمار والتصدير. ودعا إلى تنظيم حركة الاستيراد والتصدير، ومراقبة الأسعار، وتقديم التسهيلات للمنتج الوطني لمساعدته على المنافسة وتقليل الاعتماد على الخارج.
وأشار إلى أن العراق يمتلك قاعدة صناعية وإمكانات اقتصادية يمكن البناء عليها، لكن الفساد والخلافات السياسية وضعف التخطيط عرقلت تطوير القطاعات المنتجة وقدرتها على توفير فرص العمل.
في غضون ذلك، أعلن وزير المالية فالح ساري أن «رؤية العراق 2050» تستهدف تقليل الاعتماد على النفط وتمكين القطاع الخاص وتعزيز النمو الشامل والمستدام عبر تقوية المؤسسات. وقال ساري، خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في بانكوك، إن الحكومة تعمل على إعداد معالجات عاجلة وأخرى مستقبلية لاحتواء تداعيات أزمة مضيق هرمز. وأكد وجود توجه لدعم القطاع الخاص وتخفيف الضغوط التي تواجهه، بما يعزز دوره في اقتصاد السوق ويوسع فرص الاستثمار، معرباً عن ثقته بإمكانية إنجاز إصلاحات مالية خلال العامين المقبلين.
وعقد الوزير لقاءات مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي، بحضور محافظ البنك المركزي نزار ناصر حسين، لمناقشة الأوضاع المالية وأولويات الإصلاح والاستفادة من خبرات الصندوق في تطوير السياسات الاقتصادية. غير أن تحويل «رؤية العراق 2050» إلى نتائج فعلية يتطلب معالجة هيكل الإنفاق العام، وتقليل الاعتماد على التوظيف الحكومي، وتوفير بيئة مناسبة للشركات، بدلاً من بقاء التنويع الاقتصادي هدفاً مؤجلاً في الخطط الحكومية.
يرى الباحث في الشأن السياسي حسين علي الحمداني أن الحكومات العراقية نجحت في إدارة الأزمات المالية، لكنها لم تتمكن من معالجة أسبابها البنيوية. وأشار، في مقال تابعته (المدى)، إلى أن النفط ما يزال يوفر النسبة الأكبر من إيرادات الموازنة، فيما تستحوذ الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية على القسم الأكبر من الإنفاق العام، واصفاً الموازنة بأنها أقرب إلى «كشف رواتب لشركة نفط اسمها العراق».
وبحسب الحمداني، فإن مساهمة الصناعة والزراعة مجتمعتين ما تزال محدودة، بينما لن تظهر العوائد الاقتصادية الكبيرة لميناء الفاو وطريق التنمية قبل سنوات، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تمويل الرواتب والنفقات شهرياً. وأضاف أن التوسع المستمر في العقود والوظائف الحكومية جعل أي إصلاح يرتبط بقرارات سياسية صعبة، من بينها وقف التعيينات غير الضرورية وتحويل جزء من الإيرادات النفطية إلى صندوق سيادي وفرض ضرائب فعلية على الأنشطة والأرباح الكبيرة.
ويرى الباحث سركان كامل أن سياسة دعم سعر الدولار خلال السنوات الماضية حافظت ظاهرياً على استقرار الأسعار، لكنها أسهمت أيضاً في صناعة امتياز اقتصادي لمن يستطيع الوصول إلى العملة الأجنبية بالسعر الرسمي. وقال، في مقال تابعته (المدى)، إن الهدف النظري من توفير الدولار الرخيص للمستورد يتمثل في تخفيض كلفة السلع، إلا أن اتساع الفارق بين السعر الرسمي والموازي يحول العملة المدعومة نفسها إلى مصدر للربح.
وأضاف أن جزءاً من الثروة النفطية استُخدم لتمويل اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد، بدلاً من توجيهه إلى المصانع والبنية التحتية والتعليم وصناديق الأجيال المقبلة. وبحسب مقاله، فإن تعديل سعر الصرف جاء بعد انخفاض الإيرادات واتساع العجز، لكنه نقل جانباً من كلفة الأزمة إلى المواطن نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة.
وحذر من استخدام الرسوم الجمركية لمجرد زيادة إيرادات الخزينة في غياب بدائل محلية، موضحاً أن حماية الصناعة تكون فعالة عندما توجد سلعة وطنية قادرة على منافسة المستورد. ودعا إلى ربط الدولار المخصص للاستيراد ببضائع حقيقية قابلة للتتبع، وإلغاء الامتيازات في الوصول إلى العملة الأجنبية، وتطبيق الرسوم الجمركية وفق خطة صناعية، مع خفض الإنفاق غير المنتج وتوجيه إيرادات النفط نحو أصول ومشاريع طويلة الأمد.
وبين توقع نمو يبلغ 19% في عام 2027 وتراجع نفطي حاد خلال 2026، يبدو الاقتصاد العراقي أمام تعافٍ محتمل تقوده عودة الصادرات أكثر مما تقوده القطاعات المنتجة. ولذلك سيبقى الاختبار الحقيقي مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحويل إيرادات مرحلة الانتعاش إلى صناعة وزراعة وبنية تحتية وفرص عمل، بدلاً من العودة إلى دورة الإنفاق والاعتماد على النفط حتى الأزمة المقبلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد