العراق
اقتصاد

العمل الحر في العراق: طوق نجاة للشباب يفتقر للضمانات والاستقرار المالي

المدى١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٦ م2 مشاهدة
العمل الحر في العراق: طوق نجاة للشباب يفتقر للضمانات والاستقرار المالي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "العمل الحر في العراق.. ملاذ للشباب من البطالة بلا ضمانات أو دخل مستقر" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع تزايد صعوبة الحصول على وظائف حكومية وتقلص قدرة القطاع الخاص على استيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل، يجد الشباب العراقيون في العمل الحر والمشاريع الرقمية ملاذاً لتأمين دخلهم. ورغم أن هذا المسار بدأ كحل مؤقت للبطالة لدى البعض، إلا أنه تحول إلى مصدر رزق أساسي للكثيرين، في ظل غياب الحماية الاجتماعية، واستقرار الدخل، والخدمات المالية الملائمة لطبيعة هذه الأعمال. يواجه العاملون لحسابهم الخاص تحديات كبيرة في سوق عمل غير منظم، حيث يمكن أن يؤدي مرض أو توقف مشروع أو تأخر دفعة مالية إلى اضطراب معيشتهم. وتظل التشريعات والخدمات المصرفية والضمانات الاجتماعية غير متكيفة بالكامل مع واقع العمل الحر والرقمي في العراق.

لم يكن العمل الحر بالنسبة لمحمد عمار خياراً مخططاً له، بل دفعته صعوبة الحصول على وظيفة حكومية للبحث عن بدائل. بعد تخرجه، لم يجد فرصة عمل ثابتة رغم تقديمه لطلبات التوظيف والمقابلات. استثمر مهاراته في التصميم الكرافيكي والتسويق الإعلامي عبر حاسوبه كمصدر دخل. يصف محمد البداية بأنها كانت «حلاً مؤقتاً»، لكنها أصبحت مصدر رزقه الأساسي. يبدأ يومه بتفقد بريده الإلكتروني ومنصات العمل بحثاً عن مشاريع جديدة، دون جدول عمل ثابت أو دخل شهري يمكن الاعتماد عليه. يقول محمد لـ«المدى»: «أحياناً يكون الدخل جيداً وأتمكن من تدبير أموري، وأحياناً أخرى أحتار في كيفية تغطية المصاريف». هذا التذبذب يجعل التخطيط للمستقبل أو الادخار أمراً صعباً، فأي تراجع في المشاريع يؤثر مباشرة على قدرته على تغطية نفقاته.

لا يقتصر ضعف العمل الحر على تذبذب الدخل، بل يواجه العاملون فيه تحديات أخرى، أبرزها غياب التأمين الصحي والحماية الاجتماعية، مما يجعل أي ظرف صحي أو مشكلة تقنية سبباً محتملاً لأزمة معيشية. وفي هذا السياق، يوضح الناشط علي القيسي أن «العمل الحر أصبح بديلاً عن الوظيفة التقليدية لشريحة من الشباب، خاصة مع محدودية فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص». ويضيف أن هذا النوع من العمل «لا يوفر دائماً دخلاً مستقراً، إذ ترتبط الإيرادات بعدد المشاريع والزبائن وطبيعة العمل، مما يجعلها متذبذبة في كثير من الأحيان».

ويشير القيسي إلى أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية والمالية المتناسبة مع طبيعة عملهم، واستمرار الاعتماد على التعاملات النقدية، بالإضافة إلى مشكلات استلام المدفوعات من الخارج، خصوصاً للعاملين من المنزل وأصحاب المشاريع الصغيرة. كما أن ضعف اندماج هذه الأنشطة في المنظومة الاقتصادية الرسمية، ومحدودية فرص الحصول على التمويل، يبقيان الكثير من العاملين خارج أنظمة الحماية والتنظيم. ويضيف أن «غياب الضمان الاجتماعي وضعف تطبيق قوانين العمل وصعوبات الوصول إلى السوق الرقمية والدفع الإلكتروني، إلى جانب محدودية البنية التحتية للإنترنت والكهرباء، كلها عوامل تزيد من هشاشة العمل غير الرسمي».

يرى القيسي أن معالجة هذه المشكلة تتطلب توفير حوافز تشجع العاملين على التسجيل والانخراط في الاقتصاد الرسمي، بدلاً من فرض رسوم وإجراءات مفاجئة، مع تبسيط الإجراءات وتوفير خدمات مصرفية وتمويلية تتناسب مع طبيعة المشاريع الصغيرة والعمل الحر. ويتابع أن تطوير العمل الحر في العراق يحتاج إلى بيئة قانونية ومصرفية أكثر مرونة، تبدأ بتبسيط إجراءات التسجيل والترخيص، وتوفير خدمات مصرفية وتمويلية مناسبة، وتوسيع استخدام الدفع الإلكتروني. ويؤكد أن توفير هذه البيئة يمكن أن يساعد على انتقال العمل الحر من استجابة فردية لمشكلة البطالة إلى نشاط اقتصادي أكثر استقراراً، قادر على توليد الدخل وخلق فرص عمل جديدة، شرط أن يترافق ذلك مع حماية اجتماعية وتشريعات تتلاءم مع طبيعة العمل الرقمي والعمل من المنزل.

من جانبه، يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد إن «الأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة، بما فيها الرقمية، أصبحت جزءاً متنامياً من النشاط الاقتصادي في العراق، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى قطاع مستقل ومتكامل قادر على توفير فرص عمل واسعة ومستدامة». ويربط عيد توسع هذا النوع من الأعمال بـ«محدودية الوظائف الحكومية وضعف قدرة القطاعين العام والخاص المنظم على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، ما يدفع نسبة كبيرة منهم إلى العمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي أو خارج المنظومة الاقتصادية المنظمة».

ويوضح أن أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون مشكلات أساسية في الوصول إلى التمويل، نتيجة ضعف انفتاح المصارف على الأنشطة الصغيرة، وارتفاع متطلبات الضمانات، ومحدودية الائتمان المتاح. ويشير إلى استمرار التعامل النقدي وضعف اندماج كثير من الأنشطة المنزلية والرقمية في النظامين المصرفي والضريبي. ويرى عيد أن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تقوم على إخضاع هذه الأنشطة بصورة مفاجئة لمزيد من الرسوم والإجراءات، لأن ذلك قد يدفع أصحابها إلى البقاء خارج الاقتصاد الرسمي. وتتمثل الأولوية في توفير حوافز تشجع على التسجيل وفتح الحسابات المصرفية، إلى جانب تبسيط الإجراءات وإتاحة التمويل الصغير بشروط مناسبة.

ويتابع أن توسيع استخدام المدفوعات الإلكترونية، وربط التمويل بحجم النشاط وقدرته على النمو، يمكن أن يساعدا في إدماج المشاريع الصغيرة والعمل الحر ضمن الاقتصاد الرسمي. ويشير إلى أن التشريعات الحالية ما تزال بحاجة إلى تطوير لتتناسب مع طبيعة الاقتصاد الرقمي والعمل من المنزل والعمل الحر. ويؤكد عيد أهمية تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص والضرائب، ووضع إطار قانوني يحمي العاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، ويمنحهم فرصاً أكبر للوصول إلى التمويل والأسواق. ويوضح أن توفير هذه البيئة يمكن أن يحول العمل الحر من حل فردي لمشكلة البطالة إلى قطاع منتج يسهم في توليد الدخل وخلق فرص عمل جديدة ودعم الاقتصاد العراقي.

شارك الخبر: