مستقبل العراق بعد الانسحاب العسكري الأميركي: هل يفلت من شبح سيناريو أفغانستان؟


هذا الخبر بعنوان "بعد الانسحاب الأميركي.. هل يتجنب العراق سيناريو أفغانستان؟" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع رحيل آخر الجنود الأميركيين، طوى العراق حقبة عسكرية امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، ليواجه واقعاً جديداً وأكثر تعقيداً يتمثل في تحديات منع الفراغ الأمني، وحصر السلاح بيد الدولة، وخلق توازن دقيق بين النفوذين الأميركي والإيراني.
هذا الانسحاب الذي تكلل بإنجاز مرحلته الأخيرة مع نهاية شهر أيلول من عام 2026، أثار تساؤلات ومقارنات واسعة مع التجربة الأميركية في أفغانستان عام 2021، على الرغم من وجود اختلافات واضحة في آليات التنفيذ والنتائج الفورية. فبينما شهدت أفغانستان فوضى عارمة وسيطرة سريعة لحركة «طالبان»، جرى الخروج من العراق وفق تفاهمات مسبقة بين بغداد وواشنطن وعبر مراحل متعددة، مع تأكيدات رسمية جاهزية القوات الأمنية لضبط الأمن.
وفي استعادة للتجارب السابقة، شهد العراق انسحاباً أولياً مماثلاً نهاية عام 2011، أعقبه تدهور أمني خطير بعد ثلاثة أعوام تمثل في سيطرة تنظيم «داعش» على مدينة الموصل ومناطق شاسعة، وهو ما استدعى تدخلاً من تحالف دولي بقيادة واشنطن. أما في أفغانستان، فقد أسفر انتهاء المهمة عام 2021 عن سقوط الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة وعودة حركة «طالبان» للحكم، مما أجج المخاوف من أن يترك الانسحاب فراغاً تستغله الجماعات المسلحة أو القوى الإقليمية.
وعلى الرغم من تلك المخاوف، يتميز الوضع في العراق بوجود مؤسسات حكومية وقوات أمنية خاضت معارك طويلة ضد تنظيم «داعش»، فضلاً عن امتلاك البلاد لشبكة علاقات دولية واقتصادية واسعة. ومع ذلك، يظل استمرار نشاط خلايا التنظيم وبقاء الفصائل المسلحة خارج إطار قرار الدولة اختباراً حقيقياً لقدرات الحكومة.
من جانبها، رحبت الفصائل المسلحة القريبة من إيران بالخطوة واعتبرتها نصراً لما تسميه بـ«المقاومة»، في وقت أثارت تصريحات قادتها تساؤلات حول نيتها تسليم السلاح. وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لـ«كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي أن «المنتصر هو من يفرض شروطه على العدو»، مبدياً قبولاً بوجود أكثر من منظومة عسكرية بشرط توحيد قرار الحرب والسلم. وتؤكد هذه المواقف أن انتهاء الوجود العسكري لا يعني بالضرورة تسوية ملف السلاح، خصوصاً مع التعهدات التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء التشكيلات المستقلة.
وفي المقابل، تتصاعد مخاوف قطاع واسع من العراقيين، لا سيما في إقليم كردستان، من تزايد نفوذ الجماعات المرتبطة بطهران، فضلاً عن احتمالية إعادة تنظيم «داعش» لصفوفه مستغلاً الفراغات الأمنية في المناطق المتنازع عليها.
وفي قراءة للمشهد السياسي، رأت السفيرة الأميركية السابقة في بغداد ألينا رومانوسكي، والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية فيكتوريا تايلور، في مقال نشره «المجلس الأطلسي»، أن الانسحاب يتسق مع سياسة الرئيس دونالد ترامب الرامية لتقليص الوجود العسكري في الشرق الأوسط. وأشار الطرفان إلى أن الترتيبات تمت عبر فريق تفاوض استمر عمله لنحو عام للوصول إلى اتفاق يقلص المهام العسكرية وينتقل بالبلدين نحو تعاون أمني ثنائي.
وحذرت الدبلوماسيتان السابقتان من الاعتقاد بأن العراق أصبح واقعاً بالكامل تحت الهيمنة الإيرانية، مؤكدتين أن الطبقة السياسية هناك لا تزال ترى في الولايات المتحدة ثقلاً استراتيجياً يوازن النفوذ الإيراني وشريكاً اقتصادياً حيوياً. وأوضح المقال أن واشنطن لست بحاجة لقوات ضخمة للتأثير على التوازنات، بل يمكنها الاكتفاء بالقنوات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية والاستخبارية.
وتخلص رومانوسكي وتايلور إلى أن المصالح الأميركية متجذرة في العراق نظراً لموقعه الجيوسياسي وثرواته من النفط والغاز وسكانه البالغ عددهم نحو 45 مليون نسمة، مشددتين على أن استقرار العراق يمثّل ركيزة للاستقرار الإقليمي.
وختاماً، وبينما تنظر بغداد إلى الانسحاب بوصفه دليلاً على استعادة السيادة وتنامي قدراتها العسكرية، فإن التحدي الحقيقي لا يُختزل في مغادرة القوات الأجنبية، بل في كفاءة الحكومة على درء مخاطر عودة تنظيم «داعش»، وحصر السلاح، وإخضاع القرار العسكري لسلطة المؤسسات الدستورية، ليتحول الدور الأميركي من الوجود الميداني المباشر إلى آفاق سياسية واقتصادية وأمنية غير مباشرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة