قراءة في تجربة السوداني: الأزمة أعمق من شخص رئيس الوزراء وأصل البلاء في المنظومة


هذا الخبر بعنوان "السوداني ليس المنظومة" نشر أولاً على موقع المسلة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وأنا عائد من التاجي إلى بغداد، تذكرت مداخل العاصمة القديمة؛ حفر ومرتفعات واختناقات كانت تكبد الداخلين ساعات طويلة. واليوم، رغم كل الملاحظات على مشاريع السنوات الماضية، تغيرت صورة المداخل والطرق بشكل واضح.
تعرض محمد شياع السوداني لشيطنة واسعة، ولا أحد ينكر أن عهده شهد ملفات هدر وفساد تستحق التحقيق والمحاسبة، لكن اختزال كل ما جرى بشخص رئيس الوزراء يتجاهل حقيقة أكثر تعقيدا: الفساد في العراق فساد منظومة سياسية ومصالح متشابكة، وليس فساد رئيس وزراء واحد.
السوداني يتحمل مسؤوليته السياسية عن القرارات التي اتخذت حكومته، وعن الملفات التي أخفقت في معالجتها، لكنه لم يكن يملك وحده مفاتيح الدولة. الأحزاب وقواها البرلمانية وشركاتها ومصالحها كانت حاضرة في العقود والمشاريع والإنفاق العام.
منظومة دستورية وقانون الموازنة الثلاثية يقدم مثالا واضحا. فقد ألزم القانون مجلس الوزراء بإرسال جداول موازنات 2023, 2024 و2025 إلى مجلس النواب للموافقة عليها. أُقرت جداول 2023 و 2024، بينما لم يصوت البرلمان على جداول 2025، رغم استمرار المسار الحكومي لإعدادها وإحالتها. وهذه واقعة تكشف أن إدارة المال العام ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية منظومة دستورية وسياسية كاملة.
لذلك، فإن محاكمة تجربة السوداني يجب أن تكون على أساس ما أنجز وما أخفق فيه، لا على أساس تحميله وحده كل فساد الدولة. والأهم أن ما تواجهه حكومة علي فالح الزيدي اليوم من ضغوط اقتصادية وأمنية وسياسية ودولية يؤكد أن الأزمة أعمق من اسم رئيس الوزراء. فالمشكلة ليست في السوداني وحده، كما أنها لن تنتهي بتغييره.
وكما قال حيدر العبادي: «أحيانا تمارس القوى السياسية سلوك عصابات». وهنا تكمن عقدة العراق الحقيقية: المطلوب إصلاح المنظومة، لا اختزال المنظومة في شخص رئيس الوزراء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة