أزمة الخط الثالث في الأنبار: تراجع الصوت المدني وسط الاستقطاب السياسي


هذا الخبر بعنوان "من سرق الخط الثالث في الأنبار؟" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل سقوط عدد من المحافظات العراقية بيد تنظيم داعش، كان الخطاب العام في مناطق مثل الأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك مثقلاً بالهويات الفرعية والانقسامات المذهبية والطائفية والعرقية، حيث بدا الخط المدافع عن الدولة والقانون والدستور والهوية العراقية الجامعة أضعف من أن يتحول إلى تيار اجتماعي مؤثر في المجال العام. غير أن صدمة سقوط المحافظات والحرب على داعش أحدثت تحولاً لافتاً في الأنبار بين عامي 2016 و2020، إذ دخل جيل واسع من الشباب إلى المجال العام برغبة حقيقية في تجاوز آثار الحرب والانقسام عبر مبادرات مدنية وثقافية وفنية تجمع مختلف البيئات دون حساسية تجاه الاختلاف.
لكن هذه المساحة المدنية المستقلة بدأت تفقد جزءاً من جمهورها مع تصاعد تأثير الوظائف والعقود الاقتصادية في علاقة الشباب بالقوى السياسية ومؤسسات الدولة بعد أحداث تشرين وعام 2020. ومنذ انتخابات 2021 وما تلاها، تحول المشهد في الأنبار إلى منافسة حادة بين خطين سياسيين رئيسيين يسعيان لاستثمار البيئات الدينية والاجتماعية وتحويل النفوذ الاجتماعي إلى أرقام انتخابية ومقاعد برلمانية، بينما تراجع تدريجياً ما يُعرف بالخط الثالث الذي لا يريد تحويل المحافظة إلى ساحة مواجهة مذهبية ويركز بدلاً من ذلك على القانون والدستور والخدمات ومستقبل المدن.
ولم يكن تراجع هذا الخط ناتجا عن تطرف مجتمعي، بل بسبب ضيق المساحة المتاحة للصوت المعتدل في مواجهة الأصوات الدينية والاجتماعية الأكثر حدة وتنظيماً. وقد زاد هذا الاستقطاب تعقيداً مع الخطاب الطائفي القادم من خارج الأنبار والذي أعاد إنتاج الشعور بالحاجة إلى مظلة مقابلة، مما أدى إلى تغذية متبادلة بين الخطابات الإقصائية على حساب المساحة الواقعية الجامعة. وتكمن المشكلة الحقيقية في تحويل هوية واحدة إلى معيار للحكم على المجتمع واعتبار الاختلاف الثقافي مادة للتشهير والتخوين، مما يهدد بإنتاج قوى اجتماعية واقتصادية كبرى قد تخرج عن سيطرة السياسة نفسها.
وفي ظل هذا الصراع المستمر على الهويات الفرعية واستثمار الاستقطاب السياسي، يبقى السؤال الأبرز حول مصير الخط الثالث ومن يحميه؛ أي المساحة التي يمارس فيها المواطن انتماءه الأنياري والعراقي معاً دون أن يتحول إلى خصم للآخر. وإن استمرار هذه المعادلة يعكس مشكلة كبرى لا تخص الأنبار وحدها، بل تمثل واحدة من أعقد أزمات العراق في الحفاظ على الهوية الجامعة ومؤسسات الدولة والقانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة