غربة الكاتب والكتاب: عندما يتحول الوهم إلى حقيقة مؤلمة


هذا الخبر بعنوان "حتى لا يضيع الوهم: غربة الكاتب. غربة الكتاب" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حادثة مؤثرة وقعت مؤخرًا في الجزائر، ذهب روائي شاب يدعى حامد ياسين إلى قاعة مخصصة لأمسية عن كتابه الجديد، رواية "سفيرة من الريف". وصل قبل الموعد المحدد، ليجد القاعة خاوية إلا من الكراسي الفارغة. بعد انتظار طويل، لم يحضر أحد. وثّق صديق له هذه اللحظة المؤلمة بالصوت والصورة، مما دفع الكاتب إلى البكاء، معتبرًا الأمر خيبة أمل كبرى وشركًا صنعه لنفسه.
انتشر فيديو بكاء الروائي على وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة البرق، محولًا إياه إلى نجم تتناقل الألسن اسمه. وقد أدى هذا الانتشار إلى زيادة الطلب على كتابه داخل الجزائر، بعد أن كان مجرد وهم في رأس صاحبه.
تذكرني هذه الحادثة برواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر، التي صدرت عام 1983. تحولت الرواية إلى أشهر عمل عربي بعد أن أعادت وزارة الثقافة المصرية طباعتها، وأصدر الأزهر بيانًا يطالب بمنعها متهمًا إياها بالإساءة للدين الإسلامي، مما أثار احتجاجات واسعة شارك فيها الملايين.
وهناك أيضًا قصة الشاعر الذي طلب من صديقه، شيخ الجامع في منطقته، أن يتهم مجموعته الشعرية بالإساءة للدين أثناء خطبة الجمعة، بهدف إثارة الجمهور ورفع مبيعاتها بعد أن كانت مجرد مجموعة شعرية مهملة.
تعتبر هذه الحكايات نماذج حية لـ"غربة الكتاب" و"غربة الكاتب" في مجتمعاتنا. فالصحافة الثقافية والأدباء والكتاب يتحدثون يوميًا عن انخفاض عدد النسخ المطبوعة من الأعمال الأدبية. حتى أشهر الكتاب لا يطبعون سوى بضعة آلاف من النسخ في أحسن الأحوال. بل إن بعض دور النشر، خاصة في العراق، لا تطبع أكثر من مائة نسخة للكتاب الواحد، رغم وجود عشرات الجامعات وآلاف المنتسبين لاتحادات الأدباء والفنانين.
هذه الظاهرة عربية بامتياز، ولم يسلم منها حتى العملاق نجيب محفوظ. لولا حصوله على جائزة نوبل، لما زادت مبيعات كتبه عن غيره من الروائيين العرب.
السؤال المطروح هو: هل السبب في هذه المأساة هو الأدب العربي نفسه، أم أن جمهور هذا الأدب قد تقلص بشكل كبير؟ ولماذا تقلص هذا الجمهور؟ وهل كان أكبر في القرن الماضي؟ أشك في ذلك، وقصة الروائي حيدر حيدر وما شابهها تشير إلى أن الأزمة قديمة وبنيوية.
هل نحن أمة لا تقرأ؟ وإذا قرأت، هل تفضل قراءة ما تُترجم من لغات العالم على لغتنا الأم؟
أعتقد أن الكتابة تظل شأنًا شخصيًا، ولا ينبغي للكاتب أن يهتم بالأرقام التي تعلنها المكتبات أو مهرجانات الكتب. فالكاتب العربي لم يصل إلى مرحلة أن يكون مصدر عيشه مبنيًا على ما يكتب. إنه يكتب لأنه يجب أن يكتب، فهو لا يستطيع فعل شيء آخر غير الكتابة. هي فعله الوحيد في هذا العالم غير النبيل، أما حياته الشخصية فهي سلسلة من الدموع والخسارات.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة