العراق يعزز دفاعاته الجوية بصفقات متعددة: هل تضمن الحماية الكاملة؟


هذا الخبر بعنوان "صفقات بأربع دول.. هل ينجح العراق في تحصين أجوائه؟" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يسعى العراق جاهدًا لبناء منظومة دفاع جوي متكاملة ومتعددة الطبقات، وذلك من خلال إبرام عقود وتفاهمات مع كل من كوريا الجنوبية، وتركيا، والولايات المتحدة، وفرنسا. تأتي هذه الخطوات في محاولة لسد الثغرات الأمنية التي برزت بشكل واضح مع تكرار اختراق الأجواء العراقية، والهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة والصواريخ، بالإضافة إلى سحب قوات التحالف الدولي لمنظوماتها الدفاعية قبل إنهاء مهمتها في البلاد. ووفقًا لتقرير موسع نشرته مجلة «فوربس» الأميركية، فإن بغداد تتجه نحو تنويع مصادر منظومات الدفاع الجوي، متبعةً بذلك سياستها السابقة في تسليح القوات البرية والجوية، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد لبناء قدراتها العسكرية.
يأتي هذا التحرك في وقت لا تزال فيه القدرات العراقية الحالية محدودة، حيث تعتمد على منظومات «بانتسير–أس1» الروسية وأنظمة «أفنجر» الأميركية قصيرة المدى، المزودة بصواريخ «ستينغر». هذه المنظومات لم تنجح في منع الهجمات بالطائرات المسيّرة أو ردع الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة. ونقل التقرير عن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن العراق قد تعاقد مع الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية، وأن أول منظومة دفاع جوي يُتوقع وصولها خلال الأشهر القليلة المقبلة. وكان النعمان قد أكد سابقًا أن الحكومة اختصرت خطة تطوير الدفاع الجوي من ست سنوات إلى ثلاث، مع الحفاظ على أهدافها ومعاييرها، لتشمل حماية جميع الأراضي العراقية، بما في ذلك إقليم كردستان، وإنشاء قدرة وطنية تتيح السيطرة على المجال الجوي والتعامل مع التهديدات المختلفة.
ويرى تقرير «فوربس» أن الحاجة لهذه المنظومات أصبحت أكثر إلحاحًا بعد انسحاب قوات التحالف وسحب أنظمة الدفاع التي كانت ترافقها، ومن بينها منظومة «باتريوت» التي أسهمت في حماية أربيل خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة. وقد أدى سحب هذه الأنظمة إلى ترك فجوة في الحماية الجوية، خاصة في إقليم كردستان الذي تعرض خلال السنوات الماضية لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وتؤكد وزارة الدفاع أن خطة تطوير الدفاعات تشمل الإقليم، في حين تتحدث التصريحات الحكومية عن تقليص الجدول الزمني لتطوير المنظومة العراقية إلى ثلاث سنوات بدلاً من ست.
الصفقة الكورية:
تُمثل صفقة منظومة «تشونغونغ–2»، المعروفة أيضًا باسم «أم–سام 2»، الركيزة الأساسية في مشروع الدفاع الجوي العراقي. فقد تعاقدت بغداد مع شركة «أل آي جي نكس ون» الكورية الجنوبية للحصول على ثماني بطاريات متوسطة المدى، بقيمة عقد تبلغ نحو 2.8 مليار دولار. وقد أُعلن عن هذا العقد في أيلول 2024، ليصبح العراق رابع دولة تشغل هذه المنظومة بعد كوريا الجنوبية، والإمارات، والسعودية. تتمتع «أم–سام 2» بقدرة على اعتراض الطائرات والصواريخ، بما في ذلك الصواريخ الباليستية في مراحل محددة من مسارها، مما يمنح العراق قدرة لا توفرها منظوماته الحالية. وبحسب «فوربس»، فضّل العراق المنظومة الكورية على نظام «سامب/تي» الفرنسي نظرًا لجدول التسليم الذي عرضته سيول، إلا أن تنفيذ الصفقة واجه نقاشات مرتبطة بتمويل الدفعات المالية. وفي آب الماضي، عقدت وزارتا المالية والدفاع اجتماعًا مع الجانب الكوري لاستكمال آليات التمويل والدفع والإجراءات القانونية الخاصة بالعقد، وسط تأكيدات بالمضي في تنفيذه. ومع ذلك، توجد تباينات بشأن موعد وصول البطاريات الكورية؛ فبينما تتحدث التصريحات العراقية عن وصول أول منظومة دفاعية خلال أشهر، نقلت مجلة «جينز» عن ممثل لشركة «هانوا إيروسبيس» أن أول نظام كوري مخصص للعراق متوقع تسليمه في أواخر عام 2028، مع عدم حسم الجدول النهائي بصورة كاملة. يشير هذا الاختلاف إلى أن المنظومة المتوقع وصولها خلال الأشهر المقبلة قد تكون تركية أو أميركية، وليست بالضرورة إحدى بطاريات «أم–سام 2»، ما لم يجرِ تقديم موعد التسليم الكوري ضمن المفاوضات الجارية. لا تقتصر الصفقة الكورية على تسليم منصات إطلاق وصواريخ، بل تشمل رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة، وتدريب كوادر عراقية فنية وقتالية لتشغيل البطاريات وصيانتها، بما يسمح بتشغيلها بطواقم عراقية.
منظومات تركية لمواجهة المسيّرات:
بالتوازي مع الصفقة الكورية، يعمل العراق على استكمال شراء 20 منظومة دفاع جوي من تركيا، تركز بصورة رئيسة على مواجهة الطائرات المسيّرة والتهديدات القريبة من المنشآت الحيوية. وكان معاون رئيس أركان الجيش للعمليات، سعد حربية، قد أعلن توقيع عقد مع شركات تركية حكومية، مع استمرار العمل على استكمال التفاصيل المالية. وأوضح أن بغداد اختارت الأنظمة التركية لقدرتها على مواجهة المسيّرات، وتكلفتها الأقل نسبيًا، فضلاً عن قرب تركيا جغرافيًا من العراق. ورجح تقرير «فوربس» أن يكون نظام «كوركوت» جزءًا من المشتريات التركية، لكنه لم يقدم تأكيدًا رسميًا عراقيًا أو تركيًا بأن العقد يقتصر على هذا النوع. يعمل «كوركوت» بمدافع مضادة للطائرات وذخائر ذكية مصممة للتعامل مع الأهداف الجوية القريبة، خصوصًا الطائرات المسيّرة الصغيرة، ما يجعله مناسبًا لحماية القواعد العسكرية، وحقول النفط، والمطارات، ومراكز القيادة. وفي حال الجمع بين «أم–سام 2» الكوري و«كوركوت» التركي، يمكن للعراق إنشاء دفاع متعدد الطبقات؛ تتولى فيه المنظومة الكورية التعامل مع الأهداف على المديات والارتفاعات المتوسطة والصواريخ، بينما توفر الأنظمة التركية حماية قريبة ضد المسيّرات والذخائر الجوالة.
غموض الصفقة الأميركية:
على الرغم من تأكيد الحكومة وجود تعاقد مع الولايات المتحدة، لا تزال طبيعة الأنظمة الأميركية المتفق عليها غير معلنة، سواء من حيث نوعها، أو أعدادها، أو مواعيد تسليمها. وكان العراق قد سعى خلال العقد الماضي إلى امتلاك منظومات «هوك–21» متوسطة المدى، لكنه حصل في النهاية على أنظمة «أفنجر» القصيرة فقط. ويرجح تقرير «فوربس» إمكان عودة بغداد إلى منظومات متوسطة المدى قادرة على العمل إلى جانب البطاريات الكورية، لكنه شدد على أن نوع السلاح الأميركي لا يزال غير واضح، ما يجعل الحديث عن «هوك» أو غيره في نطاق الاحتمال وليس العقد المؤكد. وتحتاج المنظومة العراقية الجديدة إلى شبكة متكاملة من رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى، ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات، لأن امتلاك الصواريخ والمدافع وحده لا يكفي لتأمين المجال الجوي إذا لم ترتبط هذه الأسلحة بمنظومة رصد وتبادل معلومات موحدة.
تفاهمات فرنسية لا تزال أولية:
أما المسار الفرنسي، فلا يزال في مرحلة التفاهمات وخطابات النوايا، ولم يتحول، وفق المعلومات المعلنة، إلى عقد نهائي لتسليم منظومات دفاع جوي متوسطة أو بعيدة المدى. وخلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى باريس في أيلول الماضي، وقعت وزارة الدفاع العراقية خطاب نوايا مع شركة «هارماتان أي آي» الفرنسية بشأن أنظمة دفاع جوي مستقلة، إلى جانب الاتفاق على خريطة طريق للمشتريات العسكرية المستقبلية من الشركات الفرنسية. وشملت المباحثات أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والمراقبة والمدفعية والحركة الجوية، فضلاً عن استمرار التعاون العسكري بين البلدين بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي. ويعني ذلك أن ما جرى مع الجانب الفرنسي يمثل إطارًا للتفاوض والتعاون المستقبلي، وليس صفقة مكتملة مماثلة للعقد الكوري.
تحديات الدمج والتكامل:
يعكس توزيع المشتريات بين أربع دول محاولة عراقية للحصول على منظومات متخصصة في اعتراض تهديدات مختلفة، وتجنب الارتهان لمصدر تسليح واحد. لكنه يضع في الوقت نفسه تحديًا أمام القيادة العسكرية يتعلق بدمج أنظمة كورية، وتركية، وأميركية، وفرنسية، وروسية ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة. وتحتاج هذه الأنظمة إلى بروتوكولات اتصال متوافقة، وتدريب متنوع، وخطوط منفصلة للصيانة وقطع الغيار والذخائر، ما قد يرفع كلفة التشغيل ويعقّد عملية الإدارة إذا لم تُبنَ منظومة وطنية موحدة لربط الرادارات ووسائل الاعتراض. ويخلص تقرير «فوربس» إلى أن مشروع الدفاع الجوي يعيد إنتاج سياسة العراق القديمة في تنويع مصادر التسليح، كما حصل عندما جمع بين طائرات «ميراج» الفرنسية و«ميغ» السوفيتية، ثم بين مقاتلات «أف–16» الأميركية ومشروعات محتملة لشراء «رافال» الفرنسية أو «جي أف–17» الصينية الباكستانية. غير أن الاختبار الأساسي لن يكون في عدد الصفقات أو تنوع الدول الموردة، بل في قدرة العراق على دمج المنظومات الجديدة ضمن شبكة دفاعية واحدة، وتوفير التمويل المستمر والتدريب والصيانة، بما يحول المشتريات المتفرقة إلى مظلة جوية فعلية قادرة على حماية المدن والمنشآت الحيوية وفرض السيادة على المجال الجوي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة