العراق
سياسة

صراع على رئاسة المخابرات العراقية: فصائل تسعى للسيطرة وسط اتهامات بالاختراق الخارجي ومخاطر الإعدام

المدى٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٤ م0 مشاهدة
صراع على رئاسة المخابرات العراقية: فصائل تسعى للسيطرة وسط اتهامات بالاختراق الخارجي ومخاطر الإعدام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الفصائل تريد أرشيف الجماعات المسلحة في المخابرات.. والاقتراب من المنصب قد يقود إلى الإعدام!" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشهد جهاز المخابرات العراقي صراعاً محتدماً بين الفصائل والقوى السياسية، مدفوعاً بالرغبة في السيطرة على هذا المنصب الاستراتيجي، الذي بات نقطة تقاطع نفوذ بين واشنطن وطهران. وتسعى الفصائل للوصول إلى الجهاز بعد فيتو أميركي جديد على تولي شخصية فصائلية رئاسته. وتتمثل الخطة البديلة في اختيار شخصية "تكنوقراط"، لكنها تبقى محسوبة على القوى المطالبة بالمنصب. وتطالب 4 فصائل على الأقل برئاسة الجهاز، مستغلة المكاسب الحكومية الأخيرة. ورغم إشارات بصعوبة قبول واشنطن برئيس محسوب مباشرة على الفصائل، فإن هذه القوى تعد خطة ثانية لتقديم مرشحين بواجهات مستقلة مع الاحتفاظ بنفوذها. ويواجه أي مرشح لا يحظى بقبول تلك القوى خطر اتهامات قد تصل عقوبتها إلى الإعدام.

جهاز على خط التماس

يصف أحمد الياسري، رئيس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، جهاز المخابرات العراقي بأنه أصبح جزءاً من نقاط التقاطع والنفوذ بين إيران والولايات المتحدة. وأوضح الياسري أن الجهاز ليس امتداداً لجهاز مخابرات النظام السابق، بل تأسس في سياق رعاية أميركية، شأنه شأن جهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الذهبية. وأشارت الولايات المتحدة إلى رعايتها ودعمها وتسليحها لهذه المؤسسات، وربطت عملها مباشرة بمكتب رئيس الوزراء، مع إشراف ميداني من الأجهزة الأمنية والعسكرية الأميركية. ولهذا، ظل جهاز المخابرات ومكافحة الإرهاب حاضرين في معظم الصفقات الدبلوماسية بين بغداد وواشنطن، وفي سياق الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين.

في المقابل، تشعر إيران بخطورة هذه الأجهزة التي أنشأتها الولايات المتحدة أو سلحتها أو دعمتها. ويرى الياسري أن أحد مبررات إنشاء الفصائل العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري كان وجود مؤسسات أمنية عراقية تحظى بهذا القدر من الدعم الأميركي، وفي مقدمتها جهازا المخابرات ومكافحة الإرهاب. ومن هنا، تسعى طهران باستمرار إلى السيطرة على جهاز المخابرات، فيما تحاول واشنطن إبقاءه بعيداً عن نفوذ الفصائل وربطه مباشرة برئاسة الوزراء. ويفسر ذلك وصول شخصيات عملت في الجهاز إلى رئاسة الحكومة، مثل مصطفى الكاظمي، فضلاً عن أسماء أخرى طُرحت سابقاً للمنصب، مثل محمد الشهواني.

اختبار تسليم المخابرات للفصائل

تتحدث أوساط شيعية عن احتمال مشاركة "كتائب حزب الله" لأول مرة بالحكومة، مع إعادة توزيع نحو 50 منصباً حساساً، عقب تغيير مدير مكتب رئيس الوزراء إحسان العوادي وإنهاء تكليف رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري. وجاءت إقالة الشطري في توقيت لافت، بعد ساعات من أول زيارة يجريها الزيدي إلى سوريا، ليكون أول رئيس حكومة عراقي يزور دمشق ويلتقي أحمد الشرع منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، فيما كان الشطري المسؤول العراقي الوحيد الذي واصل زيارة العاصمة السورية خلال العامين الماضيين.

تشير تسريبات إلى أن حصة "كتائب حزب الله" المحتملة لا تقتصر على المناصب المركزية، بل تمتد إلى المنافذ الحدودية وحرس الحدود وهيئات الاستثمار في 5 محافظات، فضلاً عن 5 مناصب لوكلاء وزارات و32 مديراً عاماً ومواقع أمنية في الدفاع والداخلية والمخابرات والأمن الوطني. ويقول مقربون منه إن ذلك جاء كتتويج لنجاح الزيدي في التقدم في مفاوضاته المباشرة مع الفصائل، بعد إبعاد اللجنة الرباعية، لكن الخلاف على رئاسة المخابرات لم يحسم، ما اضطره إلى إدارة الجهاز بالوكالة.

ويعيد المشهد إلى الأذهان بداية حكومة محمد السوداني عام 2022. يومها اعترض رئيس الوزراء السابق على تسليم "العصائب" إدارة الجهاز، وفق تسريبات تلك الفترة، قبل أن تتبدل المعادلة لاحقاً، وتحصل "العصائب" على وزارة ومنصب نائب رئيس الوزراء، بعد رفع الحظر الأمريكي. وظل السوداني ممسكاً بالجهاز بالوكالة نحو عامين، قبل أن يختار حميد الشطري رئيساً له في 2024.

منصب يعلق المشانق!

في الوقت الذي كانت فيه الفصائل تستعد للحصول على مكاسب مقابل التخلي عن السلاح، ظهرت أنباء عن احتمال ذهاب منصب رئيس الجهاز إلى القوى السنية. وتتداول أوساط سنية حديثاً عن أن رئاسة المخابرات من حصة المكون السني، وفق التوزيع العرفي للمناصب الذي استقر عليه النظام السياسي بعد 2003. لكن مصادر شيعية قريبة من الإطار التنسيقي تستبعد وصول أي شخصية سنية إلى المنصب. وتقول إن من يحاول الاقتراب منه قد يواجه اتهامات وفتح ملفات قضائية بضغط من الفصائل.

ويكشف قيادي في الإطار التنسيقي، طلب عدم نشر اسمه، أن اسم محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان السابق، طُرح في وقت سابق لتولي المنصب، كما جرى تداول اسم المسؤول وقاص الحديثي، الذي تحيط به اتهامات سابقة. لكن الأمر لم يتوقف عند استبعاد الأسماء، بل وصل إلى التلميح بإمكانية إعادة فتح اتهامات قديمة ضد الحلبوسي تتعلق بالتخابر مع إسرائيل. ويقول المصدر إن التهديدات تضمنت إشارات إلى أن إعادة تحريك هذا الملف قد تقود إلى السجن المؤبد أو الإعدام، استناداً إلى قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل الذي شُرِّع عام 2022.

وتعود جذور القضية إلى ما بعد إبعاد الحلبوسي من رئاسة البرلمان، في قضية التزوير الشهيرة أواخر 2023. ففي تلك الفترة ظهرت اتهامات تتعلق بالتعامل مع شركة قيل إن لها صلات إسرائيلية في مجال الدعاية الانتخابية. وكان من أبرز من حركوا الملف ضده شخصيات سنية أغلبها بالسجن أو هاربة، من بينها النائب باسم خشان، المطلوب للقضاء، وجمال الركبولي، المحبوس على خلفية قضايا فساد. والحلبوسي نفسه أقر سابقاً بأنه خضع للتحقيق بشأن تلك الاتهامات، لكنه لم يُدَنْ. ومع ذلك، لا تزال القضية حاضرة في التداول السياسي، ويبدو أن التلويح بها بات وسيلة ضغط على من يفكر في الوصول إلى المنصب. وفي نهاية المطاف، اضطرت الحكومة إلى نفي الأنباء المتعلقة بإسناد رئاسة الجهاز إلى شخصية سنية.

اتهامات بالموساد... وتصفيات داخل الجهاز

لم تكن الاتهامات المتبادلة حول الاختراقات الخارجية جديدة على جهاز المخابرات. ففي آذار الماضي، تعرض الجهاز لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى مقتل ضابط وإصابة آخرين، وسط تلميحات من فصائل بأن الهدف كان ضرب أشخاص يتعاملون مع جهاز الموساد الإسرائيلي داخل المؤسسة. وأصدرت كتائب حزب الله بياناً سمت فيه وقاص الحديثي بصورة واضحة، وتحدثت عن وجود "صلة وثيقة" له بالموساد، واتهامات سابقة بإقصاء الشيعة من الجهاز.

وفي سياق الاتهامات ذاتها، كان النائب مصطفى سند، وزير الاتصالات الحالي، قد اتهم في أيار 2024 أفراداً من عشيرة رئيس الوزراء السابق، وهم حيدر السوداني وعبد الكريم السوداني وأحمد السوداني، بالاستيلاء على قيادة جهاز المخابرات. واعتمد سند في اتهاماته على معلومات قال إنها تشير إلى شبهات تحيط ببعض قادة الجهاز، في قضية شبكة تجسس. وكتب في تغريدة باللهجة العراقية آنذاك: "هو نفسه الجهاز إلي حكمه الكاظمي وضياء وجوحي وسيف والكلابي، إلي نصهم سجن والنص الثاني شارد، وهسة تسلط عليه آل سودان". وقال إن الشبكة كانت تمارس "عدة أعمال غير نظيفة"، من بينها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين، وفي مقدمتهم رقم هاتفه، فضلاً عن توجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات سياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات.

ولا تتوقف الروايات المثيرة للجدل عند الاتهامات بالتجسس والاختراق الخارجي؛ إذ تتحدث مصادر أمنية عن سلسلة "تصفيات غير معلنة" طالت ضباطاً ومنتسبين في الجهاز منذ عام 2021، سُجِّلت غالباً على أنها حالات انتحار. وتقدر الأرقام الأمنية عدد الضحايا سنوياً بين 8 و15 حالة، مع تصاعد لافت خلال عامي 2024 و2025. وفي عام 2021، أثار قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، جدلاً واسعاً بعد حديثه عن تدخلات خارجية داخل جهاز المخابرات. ورد الجهاز رسمياً على تلك الاتهامات، معتبراً أنها "تتجاوز السياقات المهنية"، ومؤكداً احتفاظه بحقه القانوني في ملاحقة من يسيء إليه.

من يمتلك المعلومات يمتلك ورقة الصراع

تأتي أهمية جهاز المخابرات لا من موقعه في توزيع المناصب وحده، بل من طبيعة المعلومات التي يحتفظ بها. ويشير أحمد الياسري إلى أن الجهاز يعد، في هذا التوقيت، من المؤسسات الاستخباراتية المتطورة في الشرق الأوسط، خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب، وأنه يمتلك جانباً كبيراً من البيانات والمعلومات المركزية المتعلقة بالفصائل، و"فصائل الظل"، والشبكات المرتبطة بالخارج، ولا سيما إيران. ويضيف أن أي عمليات أميركية تعتمد على جهد استخباري داخل العراق ستحتاج إلى معلومات مرتبطة بهذا الجهاز، وهو ما يفسر الدور الذي أداه في عمليات كبيرة، بينها استهداف أبو بكر البغدادي وقاسم سليماني.

ويرى الياسري أن ضباطاً وقيادات في الجهاز تعرضوا للاستهداف بسبب حساسية المعلومات التي يمتلكونها وطبيعة الملفات التي يتعاملون معها. ويخلص إلى أن التنافس السياسي الحالي على المخابرات، ومحاولة بعض الأطراف مقايضة الحكومة الجديدة بشأن إدارتها، يمثلان وجهاً جديداً لصراع النفوذ في العراق.

شارك الخبر: