العراق
ثقافة

في العين الثانية يبدأ الفن: كيف يعيد الإبداع تشكيل رؤيتنا للعالم؟

المدى١٩ آب ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٠ ص2 مشاهدة
في العين الثانية يبدأ الفن: كيف يعيد الإبداع تشكيل رؤيتنا للعالم؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في العين الثانية يبدأ الفن" نشر أولاً على موقع المدى وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لماذا نعلّق على جدران بيوتنا رسوماً ولوحات، في الوقت الذي تكفينا فيه نافذة واحدة لنرى العالم كما هو: المارّة، الأشجار، الضوء، والوجوه العابرة؟ ولماذا نمنح اللوحة مكاناً في حياتنا، ونحيطها بعناية لا نمنحها بالضرورة لمشهد طبيعي مكتمل أمام أعيننا؟

قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تفتح باباً واسعاً على جوهر الفن ووظيفته. فالإنسان لم يتعامل مع الفن بوصفه زينة منذ أن خطّ رسومه الأولى على جدران الكهوف، بل كان يحاول دائماً أن يضيف إلى العالم ما لا يستطيع العالم المرئي أن يقوله وحده. هكذا كانت الصورة الأولى محاولة لاستبقاء الغائب واستحضار الخفي، وتحويل التجربة العابرة إلى أثر قابل للتأمل، ليكون تاريخ الفن بذلك تاريخاً لتبدل الرؤية الإنسانية.

ومع تطور الحياة وظهور الكاميرا التي التقطت التفاصيل الخارجية بدقة وسرعة، تغيّر دور الفن، وبحث عن مجاله الخاص فيما لا تستطيع الآلة قوله. لقد بدأت رحلة الفن الحديث إلى الداخل، وصار الشكل وسيلة للكشف وليس غاية نهائية، متخطياً التشابه المباشر مع الواقع للوصول إلى الحقيقة عبر الخط واللون والكتلة.

ويشير الإمام عمر السهروردي إلى هذا المعنى العميق بقوله: "الناس يقولون: افتحوا عيونكم وابصروا، وأنا أقول: اغمضوا أعينكم وابصروا". وبهذه العين الثانية يبدأ الفن، حيث ينظر الفنان إلى الأشياء كعلامات وإشارات، ويجعل من العمل الفني مساحة للحوار والتأويل وتوليد الأسئلة لا تقديم الأجوبة المغلقة.

إن دور الفنان الحقيقي يتجاوز المحاكاة الحرفية للطبيعة والبراعة التقنية، ليصبح الواقع مادة لإعادة التشكيل والكشف من خلال الخيال الذي يعد إحدى وسائل الوصول إلى الحقيقة وإعادة الدهشة للمألوف. وبذلك تظل حاجتنا للوحة قائمة، لأن النافذة تمنحنا العالم كما هو، بينما تمنحنا اللوحة فرصة لرؤيته بعين أخرى تتجاوز الشكل إلى الأسرار وما وراء الأشياء.

شارك الخبر: