العراق
ثقافة

تجارة الأفكار الجاهزة: أزمة تغييب العقل المستقل في المجتمعات المعاصرة

المسلة٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٦ ص2 مشاهدة
تجارة الأفكار الجاهزة: أزمة تغييب العقل المستقل في المجتمعات المعاصرة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عقولٌ مستعملةٌ للبيع" نشر أولاً على موقع المسلة وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد السؤال اليوم يتورط في معرفة ما إذا كان الإنسان يفكر حقاً، بل يمتد ليتساءل عن عدد الأشخاص الذين يفكرون بعقولهم الخاصة لا بعقل الجماعة التي ينتمون إليها. إن غالبية ما نطلق عليها أفكاراً ليست سوى قوالب معرفية مجهزة مسبقاً، نتداولها ونتبناها ثم نخوض صراعات حامية لنثبت أنها نتاج خالص لجهدنا الفكري.

نحن نحيا في فضاء مفتوح تروج فيه العقول المستعملة بأثمان زهيدة، حيث يحظى التابع بالسكينة بينما يواجه المستقل العزلة والوحشة. يوضح الكاتب رياض الفرطوسي أن الاستلاب الحقيقي لا يستهدف الجاهل، بل يترصد المتعلم العاجز، مستحضراً مفهوم إيمانويل كانط عن التنوير وكيف يستسهل الأفراد توكيل الآخرين بالتفكير نيابة عنهم.

وحتى وإن حمل الإنسان شهادات عليا وتسلح بقواميس فكريّة متنوعة كالنيلبرالية أو الماركسية أو الأصولية، فانه يظل مجرد أداة معالجة لبرمجيات صنعها غيره. وقد نبه علي شريعتي سابقاً إلى خطورة المثقف التابع الذي يضفي الشرعية الأكاديمية على الأوهام، لتغدو في نظر الناس كحقيقة مطلقة.

تتأسس هذه البرمجة منذ الطفولة عبر ترسيخ فكرة الطاعة المطلقة للقبيلة أو الحزب أو المؤسسة، وهو ما صورته ببراعة رواية نحن للكاتب يفغيني زامياتين حين تصبح الفردية جنوناً والشك جريمة. ومع مرور الوقت، نطور داخلياً قفصنا الذهني، غافلين عن أن الهيمنة الحديثة تجاوزت السيطرة الجسدية لاحتلال المفاهيم ذاتها، كما يؤكد ميشيل فوكو في تحليله لخطاب السلطة حيث تكمن القوة في صناعة المعرفة.

إن الخروج من أسر العقول المستعملة لا يتحقق بالثورات الشعبية العابرة، بل بثورة جذرية في طرق التفكير والانتقال من تلقي الإجابات الجاهزة إلى طرح السؤال الشجاع، وصولاً إلى إدراك حقيقة الخيارات المتاحة والجرأة على تجاوز السور المفروض.

شارك الخبر: